(أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) أي : ما كانوا ليعجروا الله فى الدنيا أن يعاقبهم. بل هو قادر على ذلك ، وأخرهم ليوم الموعود ، ليكون أشد وأدوم. (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ) يمنعونهم من العقاب ، (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) بسبب ما اتصفوا به ، كما ذكره بقوله : (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) ؛ لتصاممهم عن الحق ، وبغضهم اهله. (أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) حين اشتروا عبادة الأصنام بعبادة الله ، (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) من أن الأصنام تشفع لهم ، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما أملوا ، فلم يبق لهم سوى الحسرة والندامة. (لا جَرَمَ) لا شك ، أو لا بد (أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) : فلا أحد أكثر خسرانا منهم ؛ حيث حرموا النعيم المخلد ، واستبدلوه بالعذاب المؤيد.
ثم ذكر ضدهم فقال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا) ، أي : اطمأنوا أو خشعوا ، أو تابوا (إِلى رَبِّهِمْ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) ؛ دائمون.
(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ) المتقدمين ؛ فريق الكافر ، وفريق المؤمن : (كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ) ، فمثل الكافر كمن جميع بين العمى والصمم ، ومثل المؤمن كمن جمع بين السمع والبصر. فالواو لعطف الصفات ، ويجوز أن يكون شبه الكافر بمن هو أعمى فقط ، وبمن هو أصم فقط ، والمؤمن بضدهما ، فهو تمثيل للكافرين بمثالين ، قاله ابن جزى. وقال البيضاوي : يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى ؛ لتعاميه عن آيات الله ، وبالأصم لتصاممه عن استماع كلام الله ، وتأبيه عن تدبره معانيه. وتشبيه المؤمن بالسميع والبصير ؛ لأن أمره بالضد ، فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين. أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم ، والمؤمن بالجامع بين ضديهما ، والعاطف لعطف الصفة على الصفة ، كقوله : فالأيب الصّابح فالغانم (١) فهذا من بيان اللف والطباق. ه. (هَلْ يَسْتَوِيانِ) : هل يستوى الفريقان؟ (مَثَلاً) ؛ أي : من جهة التمثيل ، بل لا استواء بينهما ، (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) ؛ تتعظون بضرب الأمثال فترجعون عن غيكم.
الإشارة : كل من ترامى على مراتب الرجال ، أو ادعى مقاما من المقامات وهو لم يدركه ، يريد بذلك إمالة وجوه الناس إليه ، يفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد ، ويقال له : (هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ...) الآية. فكل آية فى الكفار تجر ذيلها على عصاة المؤمنين. وقد تقدم أمارات من كان على بنية من ربه ، فمن أدعى مقاما من تلك المقامات وهو يعلم أنه لم يصله نادت عليه الآية.
__________________
(١) فى الأصول : (القائم والصالح والأديب). والمثبت هو الذي فى البيضاوي. والشاهد فيه عطف صفات موصوف واحد بالفاء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
