والحاصل : أن البينة أمر باطني ، وهى : المعرفة ، إما بالبرهان ، أو بالعيان ، والشاهد الذي يتلو هو العلم الظاهر ، فيتفق ما أدركه العقل أو الذوق مع ما أفاده النقل ، فتتفق الحقيقة مع الشريعة. كلّ فى محله ، الباطن منور بالحقائق ، والظاهر مؤيد بالشرائع. وهذا غاية المطلوب والمرغوب. رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر بمنّه وكرمه.
ثم ذكر وعيد من كذب بها فقال :
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤))
قلت : (مثلا) : تمييز.
يقول الحق جل جلاله : (وَمَنْ أَظْلَمُ) أي : لا أحد أظلم (مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) ؛ بأن أسند إليه مالم يقله ، وكذب بما أنزله ، أو نسب لله ما لا يليق بجلاله. (أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ) يوم القيامة ، بأن يحبسوا فى الموقف ، وتعرض عليهم أعمالهم على رؤوس الأشهاد ، (وَيَقُولُ الْأَشْهادُ) من الملائكة والنبيين ، أو كل من شهد الموقف : (هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) وهو تهويل عظيم لما يحيق بهم حينئذ ، لظلمهم بالكذب على الله ، ورد الناس عن طريق الله.
(الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) ؛ عن دينه ، (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) ؛ يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب. أو يبغون أهلها أن يعوجوا عنها بالردة والكفر ، أو يطلبون اعوجاجها بالطعن فيها. (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) أي : والحال أنهم كافرون بالبعث. وتكرير الضمير ؛ لتأكيد كفرهم واختصاصهم به.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
