آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢))
قلت : (فأتبعهم) أي : تبعهم ، يقال : تبع وأتبع ، لغتان.
يقول الحق جل جلاله : (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ) أي : جوزناهم فى البحر يبسا ؛ حتى بلغوا الشط الآخر حافظين لهم. روى أن بنى إسرائيل حين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف ، وكان يعقوب عليهالسلام قد دخل مصر فى نيف وسبعين من ذريته ، فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور.
(فَأَتْبَعَهُمْ) : فأدركهم (فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ) ، روى أنهم كانوا ثمانمائة ألف أدهم ، سوى ما يناسبها من أواسط الخيل. تبعهم (بَغْياً وَعَدْواً) : باغين وعادين عليهم. مستمرا على بغيه (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ) أي : بأنه (لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) ، فآمن حين لا ينفع الإيمان بمعاينة الموت ، ومن قال بصحة إيمانه فغلط ؛ كالحاتمى (١) فإنه قال فى الفصوص : إنه من الناجين ، وذلك من جملة هفواته.
قال تعالى لفرعون : (آلْآنَ) أي : أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك ، (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) مدة عمرك (وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) : الضالين المضلين ، (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) أي : ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ، ونجعلك طافيا على وجه الماء ، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك الناس ، فيتحققوا بغرق من معك ، حال كونك (بِبَدَنِكَ) عاريا عن الروح ، أو عريانا بلا لباس ، أو بدرعك ، وكانت له دروع من ذهب يعرف بها ، وكان مظاهرا بينها.
(لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) : لمن وراءك علامة يعرفون أنك من الهالكين ، والمراد : بنو إسرائيل ؛ إذ كان فى نفوسهم من عظمته ما خيّل إليهم أنه لا يهلك ، حتى كذبوا موسى عليهالسلام حين أخبرهم بغرقه ، إلى أن عاينوه منطرحا على ممرهم من الساحل ، أو لمن يأتى بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ، فيكون ذلك عبرة ونكالا للطغيان ، أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظيم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور ، بعيد عن مظانّ الربوبية ، أو آية تدل على كمال قدرته وإحاطة علمه وحكمته ، فإن إفراده بالإلقاء إلى الساحل دون غيره ؛ يفيد أنه مقصود لازاحة الشك فى أمره.
(وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) ؛ لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها ، والإخبار بهذا الأخذ الذي وقع فى قعر البحر من أعلام النبوة ؛ إذ لا يمكن أن يخبر بها إلّا علّام الغيوب الذي لا يخفى عليه شىء ، ولا يخلو منه مكان. والله تعالى أعلم.
__________________
(١) أي : الشيخ محيى الدين بن عربى.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
