(إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً) : رقباء مطلعين عليه ظاهرا وباطنا ، (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) : حين تخوضون فيه وتندفعون إليه ، يقال : أفاض الرجل فى الأمر : إذا أخذ فيه بجد واندفع إليه ، ومنه : (فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ) (١) ، (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ) أي : ما يغيب عنه (مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ) : ما يوازن نملة ، (فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) والمراد : لا يغيب عنه شىء فى الوجود بأسره ، وخصهما لأن العامة لا تعرف غيرهما. قال فى الكشاف : فإن قلت : لم قدّم هنا الأرض بخلاف سورة سبأ (٢)؟ فالجواب : أن السماء قدمت فى سبأ لأن حقها التقديم ، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض. ه. (وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) أي : اللوح المحفوظ ، أو علمه تعالى المحيط ، المبيّن للأشياء على ما هى عليه.
الإشارة : هذه الآية وأمثالها هى أصل المراقبة عند القوم ، وهى على ثلاثة أقسام : مراقبة الظواهر ، ومراقبة القلوب ، ومراقبة السرائر. فالأولى للعوام ، والثانية للخواص ، والثالثة لخواص الخواص.
فأما مراقبة الظواهر : فهى اعتقاد العبد أن الله يراه ، ومطلع عليه فى كل مكان ، فينتج له الحياء من الله ، فيستحيى أن يسىء الأدب معه وهو بين يديه ، وفى بعض الأخبار القدسية : «إن كنتم تعتقدون أنى لا أراكم ، فالخلل فى إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أنى أراكم فلم جعلتمونى أهون الناظرين إليكم؟».
وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ : «أفضل الناس إيمانا من يعلم أن الله معه فى كل مكان» أو كما قال صلىاللهعليهوسلم : وروى أن عبد الله بن عمر رضى الله عنه مرّ براعي غنم ، فقال له : أعطنا شاة من غنمك ، فقال له : ليست لى. فقال له : قل لصاحبها أكلها الذئب ، فقال له الراعي : وأين الله؟!. وروى أن رجلا خلا بجارية فراودها على المعصية ، وقال لها : لا ترانا إلا الكواكب ، فقالت له : وأين مكوكبها؟.
وأما مراقبة القلوب فهى : تحقيق العبد أن الله مطلع على قلبه ، فيستحى منه أن يجول فيما لا يعنى ، أو يدبر ما لا يفيد ولا يجدى ، أو يهم بسوء أدب ؛ فإن جال فى ذلك استغفر وتاب.
وأما مراقبة السرائر فهى : كشف الحجاب عن الروح ، حتى ترى الله أقرب إليها من كل شىء ، فتستحى أن تجول فيما سواه من المحسوسات ، فإن فعلت بادرت إلى التوبة والاستغفار ، فالتوبة لا تفارق أهل المراقبة مطلقا ، وقد تقدم فى أول سورة النساء (٣) بعض الكلام على المراقبة ، فمن لم يحكم أمر المراقبة ، لم يذق أسرار المشاهدة.
__________________
(١) من الآية ١٩٨ من سورة البقرة.
(٢) فى قوله تعالى «عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ...» الآية : ٣.
(٣) راجع إشارة الآية الأولى من سورة النساء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
