عقولهم ، فلا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، (هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ) يحيى من يريد إظهاره للدنيا ، ويميت من يريد نقله للآخرة ، (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بالموت والنشور ؛ لأن من قدر على الإيجاد والإعدام فى الدنيا قدر عليها فى العقبى ؛ لأن القادر لذاته لا تزول قدرته ، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت قابلة لهما أبدا. ه. من البيضاوي.
الإشارة : ما وعد به الحق سبحانه القاصدين إليه من الوصول والمعرفة به حق ، إن وفوا بشرطه ، وهو صحبة من يوصل إليه ، مع الصدق والتعظيم ، وإخلاص القصد ، هو يحيى قلوبا بمعرفته ، ويميت قلوبا بالغفلة والجهل به ، وإليه ترجعون ، فيظهر العارف من الجاهل والذاكر من الغافل.
فهذه موعظة لمن اتعظ ، كما قال تعالى :
(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨))
قلت : (بفضل الله) يتعلق بمحذوف ، يفسره ما بعده ، أي : ليفرحوا بفضل الله ، أو بقوله «فليفرحوا». وكرر قوله : (فبذلك) تأكيدا ، والفاء بمعنى الشرط ، كأنه قال : إن فرحوا بشىء فبهما فليفرحوا.
يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) يعنى القرآن العظيم ، (وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ) من الشك والجهل ، (وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) هداية فى بواطنهم بأنوار التحقيق ، ورحمة فى ظواهرهم بآداب التشريع.
قال البيضاوي : قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية (١) ، الكاشفة عن محاسن الأعمال وقبائحها ، والراغبة فى المحاسن ، والزاجرة عن القبائح ، والحكمة النظرية التي هى شفاء لما فى الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد ، وهدى إلى الحق واليقين ، ورحمة للمؤمنين ؛ حيث أنزلت عليهم فنجوا من ظلمات الضلال بنور الإيمان ، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان. والتنكير فيها للتعظيم. ه.
(قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ) أي : بمطلق الفضل والرحمة ، (فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) لا بغيره ، أو الفضل : الإسلام ، والرحمة : القرآن. وقرأ يعقوب بتاء الخطاب ، وروى مرفوعا ، ويؤيده قراءة من قرأ : «فافرحوا» ، (هُوَ خَيْرٌ
__________________
(١) فى الأصول : «العلمية» والمثبت هو الذى فى البيضاوى ؛ وهو أنسب بالسياق.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
