(وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ) أي : يعاينون دلائل نبوتك ، ولكن لا يصدقون ، كأنهم عمى عنها ، (أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ) : تقدر على هدايتهم (وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ) أي : وإن انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة ، فإن المقصود من الإبصار هو الاعتبار والاستبصار ، والعمدة فى ذلك البصيرة ، فإذا فقدت فلا اعتبار ولا استبصار ، ولذلك يحدس الأعمى المتبصر ، ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق. والآية كالتعليل للأمر بالتبري.
(إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً) بسلب حواسهم وعقولهم ، (وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) بإفسادها وإهمالها ، وتفويت منافعها عليهم. وفيه دليل على أن للعبد كسبا ، وأنه ليس مسلوب الاختيار بالكلية ، كما زعمت الجبرية ، ويجوز أن يكون وعيدا لهم ، بمعنى : أن ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من الله ، لا يظلمهم به ، ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه. قاله البيضاوي.
الإشارة : إذا رأى أهل الوعظ والتذكير قوما غرقوا فى بحر الهوى ، وأخذتهم شبكة الدنيا واستحوذت عليهم الغفلة ، فذكروهم وبذلوا جهدهم فى نصحهم ، فلم يقلعوا ، فليتبرؤا منهم ، وليقولوا : نحن براء مما تعملون ، وأنتم بريئون مما نعمل. ومنهم من يستمع إلى وعظك أيها الواعظ ، ولكن لا يتعظ ، أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من يشاهد كرامتك وخصوصيتك ولكن لا يهتدى ، أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون؟ (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً) ، بل فى كل زمان يبعث من يذكر ويداوى أمراض القلوب ، (ولكن الناس أنفسهم يظلمون) ، حيث حادوا عنهم ، وأساءوا الظن بهم ، وبالله التوفيق.
ثم ذكر وقت مجىء تأويل ما كذبوا به ، فقال :
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨))
قلت : (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) : حال ، أي : نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة. أو صفة ليوم ، والعائد محذوف ، أي : كأن لم يلبثوا قبله ، أو لمصدر محذوف ، أي : حشرا كأن لم يلبثوا قبله. وجملة : (يَتَعارَفُونَ) : حال أخرى مقدرة ، أو بيان لقوله : (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) ، أو لتعلق الظرف ، والتقدير : يتعارفون يوم نحشرهم. و «إما» : شرط ،
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
