وبكاؤهم الكثير فى الآخرة ، أي : سيضحكون قليلا فى الدنيا ، ويبكون كثيرا فى الآخرة ، وقيل : هو بمعنى الأمر ، أي : يجب أن يكونوا يضحكون قليلا ويبكون كثيرا فى الدنيا ، لما وقعوا فيه. ه.
(فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ) أي : فإن ردك الله من الغزو إلى المدينة ، وفيها طائفة من المتخلفين ـ يعني منافقيهم ـ وكانوا اثنى عشر رجلا ممن تخلف من المنافقين ، وإنما لم يقل : إليهم ؛ لأن منهم من تاب من النفاق ، وندم على التخلف ، (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك ، (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) ؛ عقوبة لهم ، وفيها خزى وتوبيخ لهم ، (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، يعنى : عن تبوك ، وهو تعليل لعدم خروجهم معه فى المستقبل ، (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ) أي : المتخلفين ، أي : لعدم تأهلهم للجهاد كالنساء والصبيان.
الإشارة : من قلّ إيقانه ، وضعف نور إيمانه ، فرح ببقائه ، مع متابعة هواه وتيسير أمور دنياه ، وكره ارتكاب مشاق المجاهدة ، واقتحام حر المخالفة والمكابدة ، وثبط من رآه يروم تلك الوجهة ، ويريد أن يتأهب لدخول ميدان تلك الحضرة ؛ فسيندم قريبا ، حين يفوز الشجعان بحضرة الوصال ، ويتأهلون لمشاهدة الكبير المتعال ، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم ، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى. (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (١). وبالله التوفيق.
ثم نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين ، فقال :
(وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥))
قلت : (أبدا) : ظرف لمات ، أي : مات فى مدة لا حياة بعدها ؛ فإن حياة الكافر للتعذيب ، وهى كلا حياة.
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلىاللهعليهوسلم : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ) من المنافقين إذا مات على كفره ، بحيث (مات أبدا) أي : موتة لا حياة بعدها. نزلت فى عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين ، فإنه لما مرض ، دعا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فسأله أن يستغفر له ويكفنه فى ثوبه الذي يلى جسده ، ويصلى عليه ، فلما مات أرسل قميصه ليكفن فيه ، وذهب ليصلى عليه ، فنزلت. وروى أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم لما تقدم للصلاة عليه جذبه جبريل بثوبه ، وتلى عليه الآية
__________________
(١) الآيات ١١ ـ ١٣ من سورة الواقعة.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
