وقد ثبت عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «ليس الغنى بكثرة العرض ، إنما الغنى غنى النّفس». وغنى النفس عن الدنيا : شرف الأولياء المختارين ، وعز أهل التقوى المؤمنين المحسنين. ولقد صدق قول الشاعر :
|
غنى النّفس ما يغنيك عن سد خلّة |
|
فإن زدت شيئا عاد ذلك الغنى فقرا. |
وقد قيل : من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى الله عينى قلبه. وقالت الجارية المجنونة لعبد الواحد بن زيد : يا عبد الواحد ، اعلم أن العبد إذا كان فى كفاية ، ثم مال إلى الدنيا ، سلبه الله حلاوة الزهد ، فيظل حيرانا والها ، فإن كان له عند الله تعالى نصيب ، عاتبه وحيا فى سره ، فقال : عبدى ؛ أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتى وحملة عرشى ، وأجعلك دليلا لأوليائى وأهل طاعتى فى أرضى ، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتنى ؛ فورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس ، والذل بعد العز ، والفقر بعد الغنى ، عبدى ؛ ارجع إلى ما كنت عليه ، أرجع بك إلى ما كنت تعرفه. ه. وقد تقدمت الحكاية. وفى بعض الكتب : إن أهون ما أصنع بالعالم ، إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتى. ه.
ثم ذم المنافقين بعيب آخر ، فقال :
(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠))
قلت : (الذين) : مبتدا حذف خبره ، أي : منهم الذين ، أو خبر عن مبتدأ ، أو منصوب على الذم ، أو بدل من ضمير سرهم. وأصل المطوعين : المتطوعين ، فأدغمت التاء فى الطاء ، و (جهدهم) : مصدر جهد فى الأمر : بالغ فيه.
يقول الحق جل جلاله : ومنهم (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) أي : يعيبون (الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ) ، روى أنه صلىاللهعليهوسلم حث على الصدقة ، فجاء عبد الرّحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وقال : كان لى ثمانية آلاف ، فأقرضت ربى أربعة ، وأمسكت لعيالى أربعة. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت». فبارك الله له حتى صالحته إحدى زوجتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم. وتصدّق عاصم بن عدى بثمانية أوسق تمرا ، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر ، فأمره رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن ينثره على تمر الصدقات ،
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
