أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩))
قلت : قال فى الأساس : ومن المجاز : نسيت الشيء : تركته ، (نسوا الله فنسيهم). قال فى المشارق : ونسى بمعنى ترك ، معناه مشهور فى اللغة ، ومنه : (نسوا الله فنسيهم) أي : تركوا أمره فتركهم. وقوله : (كالذين من قبلكم) : خبر ، أي : أنتم كالذين ، أو مفعول بمحذوف ، أي : فعلتم مثل فعل من قبلكم.
يقول الحق جل جلاله : (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي : متشابهة فى الكفر والبعد عن الإيمان ، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم فى النفاق والكفر ، وهو نفى لأن يكونوا مؤمنين. وقيل : إنه تكذيب لهم فى حلفهم بالله : (إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ) وتقرير لقوله : (وَما هُمْ مِنْكُمْ) ، وما بعده كالدليل عليه ، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين. وهو قوله : (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ) ؛ كالكفر والمعاصي ، (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) ؛ كالإيمان والطاعة ، (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) عن الإعطاء والمبار ، وهو كناية عن البخل والشح. (نَسُوا اللهَ) أي : غفلوا ، أي : أغفلوا ذكره ، وتركوا طاعته ، (فَنَسِيَهُمْ) ؛ فتركهم من لطفه ورحمته وفضله ، (إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ) ؛ الكاملون فى التمرد والفسوق عن دائرة الخير.
(وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ) أي : المجاهرين بالكفر ، (نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها) أي : مقدرين الخلود. قال ابن جزى : الأصل فى الشر أن يقال : أوعد ، وإنما يقال فيه : «وعد» إذا صرح بالشر. ه. (هِيَ حَسْبُهُمْ) أي : جزاؤهم عقابا وعذابا ، وفيه دليل على عظم عذابها ، (وَلَعَنَهُمُ اللهُ) ؛ أبعدهم من رحمته ، وأهانهم ، (وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) لا ينقطع ، وهو العذاب الذي وعدوه ، أو ما يقاسونه من تعب النفاق ، والخوف من المؤمنين.
(كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي : أنتم كالذين من قبلكم ، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم ، (كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً) ، وهو بيان لتشبيههم بهم ، وتمثيل حالهم بحالهم ، (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ) أي : نصيبهم من ملاذ الدنيا وحظوظها ، فأمّلوا بعيدا وبنوا مشيدا ، فرحلوا عنه وتركوه ، فلا ما كانوا أملوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم رجعوا ، (فَاسْتَمْتَعْتُمْ) أنتم (بِخَلاقِكُمْ) أي : بنصيبكم مما خلق الله لكم وقدره لكم فى الأزل ، (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ) ، ثم تركوا ذلك ورحلوا عنه ، كذلك ترحلون أنتم عنه وتتركونه.
قال البيضاوي : ذمّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المخدّجة من الشهوات الفانية ، والتهائهم بها عن النظر فى العاقبة ، والسعى فى تحصيل اللذائذ الحقيرة ؛ تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم. ه.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
