وقال الورتجبي على هذه الآية : عيّر الحق تعالى من بقي فى رؤية المقتدى به دون رؤية الحق ، وإن كان وسيلة منه ، فإن فى إفراد القدم من الحدوث ، النظر إلى الوسائط ، وهو شرك ، وتصديق ذلك تمام الآية ؛ (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً). غيرة الوحدانية ما أبقت فى البين غيرا من الشواهد والآيات وجميع الخلق. قال الله تعالى : (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ) (١). ولما رأى صلىاللهعليهوسلم غيرة القدم على شأن استهلاك الغير زجر من مدحه وتجاوز فى المدح فقال : «لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح».
ثم قال الورتجبي : قال بعضهم فى هذه الآية : سكنوا إلى أمثالهم ، فطلبوا الحق من غير مظانه ، وطرق الحق واضحة لمن كحل بنور التوفيق ، وبصر سبل التحقيق ، ومن أعمى عن ذلك كان مردودا عن طريق الحق إلى طرق الضالين من الخلق ، وقد وقع أنهم معيرون وموبخون بقلة عرفانهم أهل الحقائق ، وركونهم إلى أهل التقليد ، وسقطوا عن منازل أهل التوحيد فى التفريد ، وهكذا شأن من اقتدى بالزوّاقين من أهل السالوس المتزينين بزى المشايخ والعارفين المتحققين ، وتخلف خلف الجامعين للدنيا ، الذين يقولون : نحن أبناء المشايخ ونحن رؤساء الطريقة ، يضحك الله الدهر من جهلهم حيث علموا أن الولاية بالنسب ، حاشا أن من لم يذق طعم وصال الله ، وقلبه معلق بغير الله ، هو من أولياء الله.
قال الجنيد : إذا أراد الله بالمريد خيرا هداه إلى صحبة الصوفية ، ووقاه من صحبة القراء. ولو اشتغلوا بشأنهم وجمع دنياهم ، ولم يتعرضوا لأولياء الله ، ولم يقصدوا إسقاط جاههم ، لكفيهم شقاوتهم ، لا سيما ويطعنون على الصديقين العارفين. قال الله فى شأنهم : (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) ، كيف تطفأ بتراب حسبانهم أنوار شموس الصفات ، التي تبرز من جباه وجوههم ، ولئالىء خدودهم ، وأصلها ثابت فى أفلاك الوحدانية وسموات القيومية ، ويزيد نورهم على نور ؛ لأنه تعالى بلا نهاية ولا منتهى لصفاته.
قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ) : إن الله سبحانه سن سنة أزلية : ألا يجد أحد سبيله إلا من يقيض له أستاذا عارفا بالله ، وبسرّ دينه وربوبيته ، فيدله إلى منهاج عبوديته ، ومعارج روحه وقلبه ، إلى مشاهدة ربوبيته ، ويكون هو واسطة بينه وبين الله ، وإن كان الفضل بيد الله ، يؤتيه من يشاء بغير علة ولا سبب ، جعله واسطة للتأديب لا للتقريب ، وصيره شفيعا للجنايات ، لا شريكا فى الهدايات ، هداه نور القرآن ، وبيّنه حقيقة البيان ، مع إظهار البرهان. قيل : جعل الله الوسائط طريقا لعباده إليه ، وبعثهم أعلاما على الطرق ونورا يهتدى بهم ، وعرفهم سبل الحق وحقيقة الدين ، قال الله تعالى : (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ). انتهى كلامه.
__________________
(١) من الآية ٩١ من سورة الأنعام.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
