وهذه حالة شيوخ التربية : يحببون الله إلى عباده ؛ لأنهم يطهرون القلوب من دنس الغفلة حتى ينكشف لها جمال الحق فتحبه وتعشقه ، ويذكرون لهم إحسانه تعالى وآلاءه فيحبونه ، فإذا أحبوه أطاعوه فيحبهم الله ويقربهم ، والله تعالى أعلم. وقال الورتجبي : فيه إشارة لطيفة من الحق سبحانه أن النية إذا وقعت من قبل النفس الأمارة فى شىء ، وباشرته ، فكأنها باشرت جميع عصيان الله تعالى ؛ لأنها لو قدرت على جميعها لفعلت ، لأنها أمارة بالسوء ، ومن السوء خلقت ، فالجزاء يتعلق بالنية. وكذلك إذا وقعت النية من قبل القلب الروحاني فى خير ، وباشره ، فكأنه باشر جميع الخيرات ؛ لأنه لو قدر لفعل. قال صلىاللهعليهوسلم : «نية المؤمن أبلغ من عمله».
وفيه إشارة أخرى أن الله سبحانه خلق النفوس من قبضة واحدة مجتمعة ، بعضها من بعض وصرّفها مختلفة ، وتعلقت بعضها من بعض من جهة الاستعداد والخلقة. فمن قتل واحدا منها أثّر قتلها فى جميع النفوس عالمة بذلك أو جاهلة ، ومن أحيا نفس مؤمن بذكر الله وتوحيده ، ووصف جلاله وجماله ، حتى تحب خالقها ، وتحيا بمعرفته ، وجمال مشاهدته ، فأثر حياتها وتزكيتها فى جميع النفوس ، فكأنما أحيا جميع النفوس. وفيه تهديد لأئمة الضلالة ، وعز وشرف وثناء حسن لأئمة الهدى. انتهى كلامه.
وقوله فى النفس الأمارة : (من السوء خلقت) ، فيه نظر ؛ فإن النفس هى الروح عند المحققين ، فما دامت الطينية غالبة عليها ، وهى مائلة إلى الحظوظ والهوى ، سميت نفسا ، فإن كانت منهمكة سميت أمارة ، وإن خف عثارها ، وغلب عليها الخوف ، سميت لوامة ، فإذا انكشف عنها الحجاب ، وعرفت ربها ، واستراحت من تعب المجاهدة ، سميت روحا ، وإن تطهرت من غبش الحس بالكلية سميت سرا ، وأصلها من حيث هى نور ربانى وسر لاهوتى. ولذلك قال تعالى فيها : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ، (١) فالسوء عارض لها ، لا ذاتى ، فما خلقت إلا من نور القدس. والله تعالى أعلم.
ثم عاتب بنى إسرائيل على سفك الدماء والإفساد فى الأرض ، بعد ما حرم ذلك عليهم فى التوراة ، فقال :
(... وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)
يقول الحق جل جلاله : (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ) أي : بنى إسرائيل ، (رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ) أي : بالمعجزات الواضحات ، (ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) بسفك الدماء وكثرة المعاصي.
قال البيضاوي : أي : بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل إتيان تلك الجناية ، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيدا للأمر وتجديدا للعهد ، كى يتحاموا عنها ، كثير منهم يسرفون فى الأرض بالقتل ولا يبالون ، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها ، والإسراف : التباعد عن حد الاعتدال فى الأمر. ه.
__________________
(١) من الآية ٨٥ من سورة الإسراء.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
