وعلى هذا ، يحتمل أن يكون معنى قوله : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) أي : أخاف أن يصيبنى مكروها من الملائكة ، أو يهلكنى ، ويكون هذا الوقت هو الوقت الموعود ، إذ رأى فيه ما لم ير قبله. والأول : ما قاله الحسن ، واختاره ابن حجر. وقال الورتجبي : أي : إنى أخاف عذاب الله ، وذلك بعد رؤية البأس ، ولا ينفع ذلك ، ولو كان متحققا فى خوفه ما عصى الله طرفة عين. ه.
وذكر ابن حجر عن البيهقي ، عن علىّ ـ كرم الله وجهه ـ ، قال : هبت ريح شديدة ، فلم أر مثلها ، ثم هبت ريح شديدة ، وأظنه ذكر ثالثة ، فكانت الأولى جبريل ، والثانية ميكائيل ، والثالثة إسرافيل ، وكان ميكائيل عن يمين النبي صلىاللهعليهوسلم ، وفيها أبو بكر ، وإسرافيل عن يساره ، وأنا فيها. وعن عليّ أيضا : قيل لىّ ولأبى بكر يوم بدر : مع أحدكما جبريل ، ومع الآخر ميكائيل ، وإسرافيل ملك عظيم يحضر الصف ويشهد القتال. انتهى.
وقوله تعالى : (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) ، يجوز أن يكون من كلام إبليس ، وأن يكون مستأنفا.
الإشارة : عادة الشيطان مع العوام أن يغريهم على الطعن والإنكار على أولياء الله ، وإيذائهم لهم ، فإذا رأى غيرة الله على أوليائه نكص على عقبيه ، وقال : إنى منكم برىء ؛ إنى أرى ما لا ترون ، إنى أخاف الله ، والله شديد العقاب.
ثم ذكر مقالة المنافقين فى شأن المسلمين ، حيث خرجوا لغزوة بدر ، فقال :
(إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩))
يقول الحق جل جلاله : واذكروا (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ) من أهل المدينة ، أو نفر من قريش كانوا أسلموا وبقوا بمكة ، فخرجوا يوم بدر مع الكفار ، منهم : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو القيس بن الفاكه بن المغيرة ، والحارث بن ربيعة بن الأسود ، وعلى بن أمية بن خلف ، (وَ) هم (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي : شك ؛ لم تطمئن قلوبهم ، بل بقي فيها شبهة ، قالوا : (غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ) أي : اغتر المسلمون بدينهم ، فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به ، فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء ألف. فأجابهم الحق تعالى بقوله : (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) أي : غالب لا يذل من استجار به ، وإن قلّ ، (حَكِيمٌ) يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل ، ويعجز عن دركه الفهم.
الإشارة : إذا عظم اليقين فى قلوب أهل التقى أقدموا على أمور عظام ، تستغرب العادة إدراكها ، أو يغلب العطب فيها ، فيقول المنافقون والذين فى قلوبهم مرض : غرّ هؤلاء طريقتهم ، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
