وعدم الإصغاء إلى خوضه وتكديره ، فمن صبر ظفر ، ومن دام على السير وصل ، وأمرهم أيضا بطاعة الله ورسوله ، ومن يدلهم على الوصول إليه ، ممن هو خليفة عنه فى أرضه ، وأمرهم بعدم المنازعة والملاججة ، فإن التنازع يوجب تفرق القلوب والأبدان ، ويوجب الفشل والوهن ، ويذهب بريح النصر والإعزاز ، كما أن الوفاق يوجب النصر ودوام العز.
ونهاهم عن التشبه بأهل الخوض والتكدير ، ممن أولع بالطعن والتنكير ، بل يكونون على خلافهم مخلصين فى أعمالهم وأحوالهم ، دالين على الله ، داعين إلى طريق الله ، يحببون الله إلى عباده ، ويحببون عباد الله إلى الله ، وهذه صفة أهل الله. نفعنا الله بذكرهم. آمين.
ثم ذكر الباعث على خروج الكفار لغزوة بدر ، فقال :
(وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨))
يقول الحق جل جلاله : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) السيئة ، ومن جملتها : خروجهم إلى حربك ؛ بأن وسوس لهم ، (وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) ، قيل : قال لهم ذلك مقالة نفسانية ، بأن ألقى فى روعهم ، وخيّل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون ، لكثرة عددهم وعددهم ، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فى ذلك قربة مجيرة لهم من المكاره.
(فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ) أي : تلاقى الفريقان ، ورأى بعضهم بعضا ، (نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) ؛ رجع القهقهرى ، أي : بطل كيده ، وعاد ما خيل لهم أنه مجير لهم سبب هلاكهم ، (وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ) ، أي : تبرأ منهم وخاف عليهم ، وأيس من حالهم ، لمّا رأى إمداد المسلمين بالملائكة.
وقيل : إن هذه المقالة كانت حقيقة لسانية. روى أن قريشا ، لما اجتمعت على المسير إلى بدر ، ذكرت ما بينهم وبين بنى كنانة من العداوة ، فهموا بالرجوع عن المسير ، فمثل لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك الكناني ، وقال : لا غالب لكم اليوم وإنى جار لكم ، وإنى مجيركم من بنى كنانة ، فلما رأى الملائكة تنزل نكص على عقبيه ، وكانت يده فى يد الحارث بن هشام ، فقال له : إلى أين؟ أتخذلنا فى هذه الحالة؟ فقال : إنى أرى ما لا ترون ، ودفع فى صدر الحارث ، فانطلق وانهزموا ، فلما بلغوا مكة ، قالوا : هزم النّاس سراقة ، فبلغه ذلك ، فقال : والله ما شعرت بسيركم حتى بلغني هزيمتكم! فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
