قلت : (فأن لله) : مبتدأ حذف خبره ، أي : فكون خمسه لله ثابت ، أو خبر ، أي : فالواجب كون خمسه لله.
يقول الحق جل جلاله : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) مما أخذتموه من الكفار ؛ قهرا بالقتال ، لا الذي هربوا عنه بلا قتال ، فكله للإمام فىء ، يأخذ حاجته ويصرف باقيه فى مصالح المسلمين ، ولا الذي طرحه العدو خوف الغرق ، فلواجده ، بلا تخميس ، وكذا ما أخذه من كان ببلاد العرب على وجه التلصيص ، فأما ما أخذه بالقتال : فلله (خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) ؛ الجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كقوله : (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (١) ، وإنما المراد : قسم الخمس على الخمسة الباقية.
واختلف العلماء فى الخمسة ، فقال مالك : الرأى للإمام ، يلحقه ببيت الفيء ، ويعطى من ذلك البيت لقرابة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما رءاه ، كما يعطى منه اليتامى والمساكين وغيرهم ، وإنما ذكر من ذكر على جهة التنبيه عليهم ، لأنهم من أهم ما يدفع إليهم. وقال الشافعي : يعطى للخمسة المعطوفة على (الله) ، ولا يجعل لله سهما مختصا ، وإنما ذكر ابتداء تعظيما ، لأن الكل ملكه ، وسهم الرسول يأخذه الإمام ، يصرفه فى المصالح ، فيعطى للأربعة المعطوفة على الرسول ، ويفضل أهل الحاجة. وقال مالك : لا يجب التعميم ، فله أن يعطى الأحوج ، وإن حرم غيره ، ومبنى الخلاف : هل اللام لبيان المصرف أو للاستحقاق ، كما فى آية الزكاة.
وقال أبو حنيفة : على ثلاثة أسهم ، لليتامى والمساكين وابن السبيل ، قال : وسقط الرسول وذوو القربى بوفاته عليه الصلاة والسلام. وقال أبو العالية : يقسم على ستة ، أخذا بظاهر الآية ، ويصرف سهم الله إلى الكعبة ، وسهم الرسول فى مصالح المسلمين ، وسهم ذوى القربى لأهل البيت الذين لا تحل لهم الزكاة ، ثم يعطى سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل.
قال البيضاوي : وذوو القربى : بنو هاشم ، وبنو المطلب ، لما روى : أنه صلىاللهعليهوسلم قسم سهم ذوى القربى عليهما ، فقال عثمان وجبير بن مطعم : هؤلاء إخوانك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم ، أرأيت إخواننا من بنى المطّلب ، أعطيتهم وحرمتنا ، وإنّما نحن وهم بمنزلة واحدة؟ فقال عليه الصلاة والسلام : «إنّهم لم يفارقونا فى جاهليّة ولا إسلام» وشبّك بين أصابعه (٢). وقيل : بنو هاشم وحدهم. قلت : وهو مشهور مذهب مالك ـ وقيل : جميع قريش. ه.
__________________
(١) من الآية ٦٢ من سورة التوبة.
(٢) أخرجه أبو داود فى (الخراج ـ باب فى بيان مواضع قسم الخمس) وابن ماجه فى (الجهاد ـ باب قسمة الخمس) من حديث جبير بن مطعم. وفى البخاري بعضه ، راجع صحيح البخاري (فرض الخمس ـ باب : ومن الدليل على أن الخمس للإمام).
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
