ثم دلهم على ما فيه دواء القلوب ومحو العيوب ، فقال :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩))
يقول الحق جل جلاله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ) ، كما أمركم ، (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) ؛ نورا فى قلوبكم ، تفرقون به بين الحق والباطل ، والحسن والقبيح. قال ابن جزى : وذلك دليل على أن التقوى تنور القلب ، وتشرح الصدر ، وتزيد فى العلم والمعرفة. ه. أو : نصرا يفرق بين المحق والمبطل ؛ بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين ، أو مخرجا من الشبهات ، أو نجاة مما تحذرون فى الدارين من المكروهات ، أو ظهورا يشهر أمركم ويثبت صيتكم ، من قولهم : سطع فرقان الصبح ، أي : نوره ، (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) أي : يسترها ، فلا يفضحكم يوم القيامة ، (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ؛ يتجاوز عن مساوئكم ، أو يكفر صغائركم ويغفر كبائركم ، أو يكفر ما تقدم ويغفر ما تأخر ، (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، ففضله أعظم من كل ذنب ، وفيه تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان ، لا أن تقواهم أوجبت ذلك عليه ، كالسيد إذا وعد عبده أن يعطيه شيئا فى مقابلة عمل أمره به ، مع أنه واجب عليه لا محيد له عنه. والله تعالى أعلم.
الإشارة : الفرقان الذي يلقيه الله فى قلوب المتقين من المتوجهين هو نور الواردات الإلهية ، التي ترد على القلوب من حضرة الغيوب ، وهى ثلاثة أقسام : وارد الانتباه : وهو نور يفرق به بين الغفلة واليقظة ، وبين البطالة والنهوض إلى الطاعة ، فيترك غفلته وهواه ، وينهض إلى مولاه ، ووارد الإقبال : وهو نور يفرق به بين الوقوف مع ظلمة الحجاب وبين السير إلى شهود الأحباب ، ووارد الوصال : وهو نور يفرق به بين ظلمة الأكوان ، ونور الشهود ، أو بين ظلمة سحاب الأثر وشهود شمس العرفان.
وإلى هذه الواردات الثلاثة أشار فى الحكم بقوله : «إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا ، أورد عليك الوارد ليسلمك من يد الأغيار ، ويحررك من رق الآثار ، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك».
ثم ذكّر نبيه صلىاللهعليهوسلم بما فعل معه من الحفظ والرعاية من أعدائه اللئام ، فقال :
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠))
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
