لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلىاللهعليهوسلم هو الذي يحلنى ، فجاء رسول الله صلىاللهعليهوسلم فحلّه ، فقال : إنّ من تمام توبتى أن أهجر دار قومى الّتى أصبت فيها الذّنب ، وأن أنخلع من مالى ، فقال صلىاللهعليهوسلم : «يجزيك الثّلث أن تتصدّق به» (١).
ثم قال تعالى : (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ) فيما بينكم ، أو فيما أسر الرسول إليكم من السر فتفشوه ، (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أن الخيانة ليست من شأن الكرام ، بل هى من شأن اللئام ، كما قال الشاعر :
|
لا يكتم السرّ إلا كلّ ذى ثقة |
|
فالسرّ عند خيار النّاس مكتوم |
أو : وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح.
(وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) ؛ لأنه سبب الوقوع فى الإثم والعقاب ، أو محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم ، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة ، كما فعل أبو لبابة. (وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) لمن آثر رضا الله ومحبته عليهم ، وراعي حدود الله فيهم ، فعلّقوا هممكم بما يؤديكم إلى أجره العظيم ، ورضاه العميم ، حتى تفوزوا بالخير الجسيم.
الإشارة : خيانة الله ورسوله تكون بإظهار الموافقة وإبطان المخالفة ، بحيث يكون ظاهره حسن وباطنه قبيح ، وهذا من أقبح الخيانة ، وينخرط فيه إبطان الاعتراض على المشايخ وإظهار الوفاق ، وهو من أقبح العقوق لهم ، وأما خيانة الأمانة فهى إفشاء أسرار الربوبية لغير أهلها ، فمن فعل ذلك فسيف الشريعة فوق رأسه ، إذا كان سالكا غير مجذوب ، لأن من أفشى سر الملك استحق القتل ، وكان خائنا ، ومن كان خائنا لا يؤمن على السر ، فهو حقيق أن ينزع منه ، إن لم يقتل أو يتب ، ولله در القائل :
|
سأكتم علمى عن ذوى الجهل طاقتى (٢) |
|
ولا أنثر الدّر النفيس على البهم |
|
فإن قدّر الله الكريم بلطفه |
|
ولا قيت أهلا للعلوم وللحكم |
|
بذلت علومى واستفدت علومهم |
|
وإلّا فمخزون لدىّ ومكتتم |
__________________
(١) أخرجه عن قتادة ـ مرسلا ـ ابن جرير فى التفسير ، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ وابن جرير.
(٢) إذا لم يعلم الجاهل وكتمنا عنه العلم ، فما فائدة العلم إذن ..؟!
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
