أن تنزل نار من السماء فتأكل القربان المقبول ، وإن لم يقبل لم تنزل ، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل ، وتركت قربان قابيل ، فحسذه ، وقال له : (لَأَقْتُلَنَّكَ) ، حسدا على تقبل قربانه دونه ، فقال له أخوه : (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) الكفر ، أي : إنما أوتيت من قبل نفسك بترك التقوى ، لا من قبلى ، فلم تقتلنى؟
قال البيضاوي : وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغى أن يرى حرمانه من تقصيره ، ويجتهد فى تحصيل ما به صار المحسود محظوظا ، لا فى إزالة حظه ، فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه ، وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متقى. ه. وفيه نظر : فإن تقوى المعاصي ليست شرطا فى قبول الأعمال بإجماع أهل السنة ، إلا أن يحمل على تقوى الرياء والعجب. انظر الحاشية.
ثم قال له أخوه هابيل : (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) أي : لئن بدأتنى بالقتل لم أبدأك به ، أو لم أدفعك عنى ، وهل تركه للدفع تورع ، وهو الظاهر ، أو كان واجبا عندهم ، وهو قول مجاهد؟ وأما فى شرعنا : فيجوز الدفع ، بل يجب ، قاله ابن جزى. وقال البيضاوي : قيل : كان هابيل أقوى منه ، فتحرج عن قتله ، واستسلم له خوفا من الله ، لأن الدفع لم يبح بعد ، أو تحريا لما هو الأفضل. قال صلىاللهعليهوسلم : «كن عبد الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل» (١). وإنما قال : (ما أنا بباسط) فى جواب (لئن بسطت) ؛ للتبرى من هذا الفعل الشنيع ، والتحرز من أن يوصف به ، ولذلك أكد النفي بالباء. ه.
ثم قال له هابيل : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) أي : إنى أريد بالاستسلام وعدم الدفع أن تنقلب إلى الله ملتبسا بإثمى ، أي : حاملا لإثمى لو بسطت إليك يدى ، وإثمك ببسطك يديك إلىّ ، ونحوه قوله صلىاللهعليهوسلم : «المستبّان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم» (٢). أو بإثم قتلى وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك ، أو بسائر ذنوبى فتحملها عنى بسبب قتلك لى ؛ فإن الظالم يجعل عليه يوم القيامة ذنوب المظلوم ثم يطرح فى النار ، ولذلك قال : (وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) ، يحتمل أن يكون من كلام هابيل ، أو استئناف من كلام الله تعالى ، أي : جزاؤهم يوم القيامة أن يحملوا أوزار المظلومين ، ثم يطرحون فى النار ، كما فى حديث المفلس.
ولم يرد هابيل بقوله : (إِنِّي أُرِيدُ) ، أنه يحب معصية أخيه وشقاوته ، بل قصد بذلك الكلام أنه إن كان القتل لا محالة واقعا فأريد أن يكون لك لا لى ، والمقصود بالذات : ألا يكون له ، لا أن يكون لأخيه. ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته. وإرادة عقاب العاصي جائزة. قاله البيضاوي.
(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) أي : سهلت له ووسعته ولم تضق منه ، أو طاوعته عليه وزينته له ، (فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) دينا ودنيا ، فبقى مدة عمره مطرودا محزونا. قال السدى : لما قصد قابيل قتل هابيل ،
__________________
(١) أخرجه بنحوه أحمد فى المسند (٥ / ١١٠) من حديث خباب بن الأرت.
(٢) أخرجه مسلم فى (البر والصلة ، باب النهى عن السباب) عن أبى هريرة رضي الله عنه ، ومعنى الحديث : أن إثم السباب الواقع من اثنين مختص بالبادىء منهما كله ، إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مما قاله له.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
