قال الشيخ ابن عباد رضى الله عنه : نور اليقين تتراءى به حقائق الأمور على ما هى عليه ، فيحق به الحق ، ويبطل به الباطل ، والآخرة حق ، والدنيا باطل ، فإذا أشرق نور اليقين فى قلب العبد أبصر به الآخرة التي كانت غائبة عنه حاضرة لديه ، حتى كأنها لم تزل ، فكانت أقرب إليه من أن يرتحل إليها ، فحق بذلك حقها عنده ، وأبصر الدنيا الحاضرة لديه ، قد انكسف نورها وأسرع إليها الفناء والذهاب ، فغابت عن نظره بعد أن كانت حاضرة ، فظهر له بطلانها ، حتى كأنها لم تكن ، فيوجب له هذا النظر اليقيني الزهادة فى الدنيا والتجافي عن زهرتها ، والإقبال على الآخرة ، والتهيؤ لنزول حضرتها ، ووجدان العبد لهذا هو علامة انشراح صدره بذلك النور. كما قال النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «إنّ النور إذا دخل القلب انشرح له الصّدر وانفسح ، قيل يا رسول الله : هل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال : نعم. التّجافى عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزوله» (١). أو كما قال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ.
وعند ذلك تموت شهواته وتذهب دواعى نفسه ، فلا تأمره بسوء ، ولا تطالبه بارتكاب منهي ، ولا تكون له همة إلا المسارعة إلى الخيرات ، والمبادرة لاغتنام الساعات والأوقات ، وذلك لاستشعاره حلول الأجل ، وفوات صالح العمل ، وإلى هذا الإشارة بحديثي حارثة ومعاذ ـ رضى الله عنهما ـ. روى أنس بن مالك رضى الله عنه قال : بينما رسول الله صلىاللهعليهوسلم يمشى إذ استقبله شاب من الأنصار ، فقال له النبي صلىاللهعليهوسلم : «كيف أصبحت يا حارثة؟ قال : أصبحت مؤمنا بالله حقا ، قال : انظر ما تقول ، فإن لكلّ قول حقيقة؟ فقال : يا رسول الله عزفت نفسى عن الدنيا فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى ، وكأنى بعرش ربى بارزا ، وكأنى أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها ، وكأنى أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها ، فقال : أبصرت فالزم ، عبد نور الله الإيمان فى قلبه ..» إلى آخر الحديث (٢).
وروى أنس رضى الله عنه أيضا : أن معاذ بن جبل دخل على النبي صلىاللهعليهوسلم وهو يبكى ، فقال له : كيف أصبحت يا معاذ؟ فقال : أصبحت بالله مؤمنا ، قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «إنّ لكل قول مصداقا ، ولكل حق حقيقة ، فما مصداق ما تقول؟» فقال : يا نبىّ الله ، ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أنى لا أمسى ، ولا أمسيت قط إلا ظننت أنى لا أصبح ، ولا خطوت خطوة قط إلا ظننت أنى لا أتبعها أخرى ، وكأنى أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها ، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله ، وكأنى أنظر إلى عقوبة أهل النّار وثواب أهل الجنة. قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «عرفت فالزم». انظر بقية كلامه رضى الله عنه.
__________________
(١) أخرجه البيهقي فى شعب الإيمان (٧ / ٣٦٢).
(٢) سبق تخريج الحديث عند تفسير الآية ١٢٦ من سورة الأنعام.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
