(وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) من فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، ونحوها ، أو المراد عالمى زمانهم ، وعن أبى سعيد الخدري قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة يكتب ملكا» (١). وقال ابن عباس : (من كان له بيت وخادم وامرأة فهو ملك) ، وعن أبى الدرداء قال : قال النبي صلىاللهعليهوسلم : «من أصبح معافى فى بدنه ، آمنا فى سربه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ، يكفيك منها ، يا ابن آدم ، ما سدّ جوعتك ، ووار عورتك ، فإن كان بيت يواريك فذاك ، وإن كانت دابة فبخ بخ ، فلق الخبز ، وماء الجر (٢) وما فوق الإزار حساب عليك» (٣).
وقال الضحاك : (كانت منازلهم واسعة ، فيها مياة جارية ، فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار ، فهو ملك). وقال قتادة : كانوا أول من ملك الخدم ، وأول من سخر لهم الخدم من بنى آدم. ه.
الإشارة : كل من رزقه الله من يأخذ بيده ومن يستعين به على ذكر ربه ، فليذكر نعمة الله عليه ، فقد أسبغ الله عليه نعمه ظاهرة وباطنة. وكل من ملك نفسه وهواه ، وأغناه الله عما سواه ، فهو ملك من الملوك. وكل من خرجت فكرته عن دائرة الأكوان ، واتصل بفضاء الشهود والعيان ، فقد آتاه الله ما لم يؤت أحدا من العالمين. وقد كنت ذات يوم جالسا فى الجامع الأعظم من مدينة تطوان ، فانتبهت فإذا مصحف إلى جنبى ، فقال لى الهاتف : انظر تجد مقامك ، فأعرضت عنه ، فأعاد علىّ الهاتف ثلاث مرات ، فرفعته ، ونظرت ، فإذا فى أول الورقة : (وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) ، فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه. ثم أمرهم بجهاد عدوهم ، فقال :
(يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا
__________________
(١) عزاه السيوطي فى الدر المنثور لابن أبى حاتم ، عن أبى سعيد الخدري.
(٢) الجرّ والجرار : جمع جرة : وهو الإناء المعروف من الفخار.
(٣) أخرجه إلى قوله : (حيزت له الدنيا) البخاري فى الأدب المفرد (باب من أصبح أمنا فى سربه) والترمذي فى (الزهد باب ٣٤) وابن ماجه فى (الزهد ، باب القناعة)
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
