مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣))
قلت : (هدى ورحمة) : حال من مفعول (فصّلناه) ، (فيشفعوا) : جواب الاستفهام ، (أو نرد) ؛ بالنصب : عطف عليه ، وبالرفع : استئناف ، فعلى الأول : المسئول أحد الأمرين ؛ إما الشفاعة أو الرد ، وعلى الثاني : المسئول الشفاعة فقط.
يقول الحق جل جلاله : (وَنادى) ، يوم القيامة ، (أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا) أي : صبوا (عَلَيْنا مِنَ الْماءِ) ، وفيه دليل على أن الجنة فوق النار ، أو : صبوا علينا مما رزقكم الله ؛ من سائر الأشربة ، ليلائم قوله (أَفِيضُوا) ، أو : من الطعام ؛ على حذف الفعل ، أي : أو أعطونا مما رزقكم الله ، (قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) ، أي : منعهما عنهم ، (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً) ؛ كتحريم البحائر والسوائب ، والتصدية حول البيت ، والطواف به ؛ عريانا ، وغير ذلك مما أحدثوه ، واللهو : صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروى. واللعب : طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به ؛ لخلوه عن منفعة دينية ، (وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا) ؛ بأن أنستهم القيامة ، (فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) ، والكاف : للتعليل ، أي : ننساهم ؛ لأجل نسيانهم لقاء يومهم هذا ، فلم يخطروه ببالهم ، ولم يستعدوا له ، (وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) أي : نهملهم لأجل إهمالهم الاستعداد للقاء ، وإهمالهم آياتنا حتى جحدوا أنها من عند الله.
(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ) أي : بيّنا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ ، مفصلة (عَلى عِلْمٍ) ، أي : عالمين بوجه تفصيله حتى جاء فى غاية الإتقان ، (هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) فإنهم المنتفعون بهدايته ورحمته دون غيرهم.
(هَلْ يَنْظُرُونَ) أي : ما ينتظر الكفار به (إِلَّا تَأْوِيلَهُ) ، أي : ما يئول إليه أمره ؛ من تبين صدقه ، بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد ، بقيام الساعة وما بعدها ، (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) ؛ بظهور ما نطق به ، (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ) ، ولم يؤمنوا به : (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ) أي : قد تبين أنهم جاءوا بالحق ، وحصل لهم اليقين حيث لم ينفع ، ثم طلبوا من يشفع فيهم فقالوا : (فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا) اليوم ، (أَوْ نُرَدُّ) أي : وهل نرد إلى الدنيا (فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) فنستبدل الكفر بالإيمان ، والعصيان بالطاعة والإذعان ، أو : فيشفعوا لنا فى أحد الأمرين : إما السلامة من العذاب ، أو الرد إلى الدنيا فنستبدل الكفر بالإيمان. قال تعالى : (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) ؛ أي : بخسوها بسوء أعمالهم وكفرهم ، (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) أي : غاب عنهم افتراؤهم فلم ينفعهم.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٢ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3783_albahr-almadid-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
