فالخير لا يلقى جزاءه الكامل في الحياة الدنيا. والشر كذلك. وانما يستكملان هذا الجزاء في دار الخلود. حيث يرتفع المؤمنون المتقون الى قمة الحياة المثلى التي لا خوف فيها ولا نصب. ويصل المجرمون الظالمون المترفون الى درك الحياة السفلية التي هي النار التي لا يخمد وقودها. ثم انهم لا يقفون عند هذه الجهالة عن تدبر الحكمة (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ). عندئذ لم يجد الرسول الا ان يستنصر ربه كما استنصره من قبله من الرسل (قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ). وعندئذ وقعت الاستجابة. بعد أن استوفى القوم أجلهم : (قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) ولكن حيث لا ينفع الندم ولا يجدي المتاب (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ. فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً) والغثاء ما يجرفه السيل من حشائش وأشياء مبعثرة. ويزيدهم مهانة (فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
(ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠))
البيان : هكذا في اجمال يلخص تاريخ الدعوة. ويقرر سنة الله عزوجل الجارية في الامد الطويل. (وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) فذهب القوم وبقيت العبرة لمن له قلب مفتوح.
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ...)
ويبرز في هذا الاستعراض الاعتراض ذاته على بشرية الرسل.
![تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي [ ج ٣ ] تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3758_tafsir-albayan-alsafi-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
