قد اعترف المصنّف رحمهالله في مبحث أصل البراءة بأنّ للصحّة معنى آخر غير ما ذكر ، حيث اعترض على نفسه بأنّ مقتضى ما ذكر بقاء الأجزاء السابقة على صحّتها إلى آخر الأبد ، وهو خلاف ما هو الشائع في النصوص.
فأجاب عنه بما لفظه : قلت نعم ، ولا ضير في التزام ذلك ، ومعنى بطلانها عدم الاعتداد بها في حصول الكلّ ، لعدم التمكّن من ضمّ تمام الباقي إليها.
أقول : معنى عدم الاعتداد بها صيرورتها لغوا بالنظر إلى الأثر المقصود بها ، وهو وقوعها بعضا من الكلّ الذي يجب عليه الخروج عن عهدة أمره ، فصحّة الأجزاء السابقة المقابلة للبطلان بهذا المعنى ، عبارة عن عدم صيرورتها لغوا ، وكونها بالفعل بعضا من الصلاة الواجبة عليه ، ومسقطة للأمر الغيري المتعلّق بها المنبعث من مطلوبيّة الكلّ ، وأثر صحّتها بهذا المعنى جواز المضيّ في الصّلاة ، وعدم مشروعية استئنافها ، إذ لا امتثال عقيب الامتثال ، فيترتّب على استصحابها هذا الأثر ، فليتأمّل.
ثمّ إنّا قد أشرنا فيما تقدّم أن لاستصحاب صحّة الأجزاء السابقة صورة لا يتطرّق إليها هذه المناقشات ، وهي استصحاب صحّتها عند الشكّ في وجود الناقض ، أو ناقضيّة الموجود ، كما لو شكّ في ناقضيّة الحدث الأصغر في أثناء غسل الجنابة. ومن هذا القبيل ما لو شكّ في خروج البول ، أو ناقضيّة المذي في أثناء الوضوء ، فانّه يستصحب في مثل الفرض أثر الاجزاء المأتي بها ، وهي تأثيرها في رفع الحدث لدى انضمام سائر الأجزاء إليها ، وهو أثر شرعيّ ثابت لها في السابق ، فيستصحب بلا إشكال وتأمّل.
والمناقشة المذكورة إنّما تتمشّى فيما إذا تعلّق الشكّ بالاجزاء اللّاحقة من حيث قابليتها للانضمام إلى السابق ، لا في مثل الفرض الذي نشأ الشكّ من احتمال انتقاض أثر الأجزاء السابقة لا غير ، كما لا يخفى.

