الوجه الثاني : في الجواب عن السؤال المذكور أن نقول : هب أن كونه أزليا يمنع من كون الموجب موجبا له في الأزل ، إلا أن هذا المانع زائل فيما لا يزال ، فوجب أن يصدر العالم عنه فيما لا يزال. وإذا كان كذلك كان لحدوثه أول معين. ولا شك أنه لو حدث قبل ذلك الوقت بمائة سنة كان حادثا أيضا ، فلا يصير بسبب هذا التقدير من الزيادة أزليا. وعلى هذا فلا وقت إلا وكانت العلة الموجبة لوجود العالم موجودة قبله ، (وإن كان هذا فلا وقت إلا وكانت العلة الموجبة لوجود العالم موجبة قبله (١) وكان الأزل الذي هو العائق عن صدوره عنه زائلا قبله (٢) ، فيلزم أن يقال : أنه لا وقت إلا ويجب أن يكون حادثا قبله. وهذا المحال إنما لزم من فرض كونه تعالى موجبا بالذات.
الحجة الثانية للمتكلمين في إثبات كونه تعالى فاعلا بالاختيار ، لا موجبا بالذات.
هي أن نقول : قد دللنا على أن الأجسام بأسرها متماثلة في تمام الماهية ، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة وحيزه المعين ، لا بد وأن يكون من الجائزات. لما ثبت أن حكم الشيء يساوي حكم مثله ، وكل جائز فلا بد له من مرجح. وذلك المرجح إما أن يكون ذات الجسم أو غيره. وذلك الغير إما أن يكون محلا للجسم ، أو ما يكون حالا فيه ، أو ما لا يكون محلا له ، أو لا حالا فيه ، والأقسام الأربعة باطلة. أما القسم الأول. وهو أن يكون المقتضي لتلك الأحوال والصفات ذات الجسم. فهذا باطل. لأن ذوات الأجسام متماثلة ، وصفاتها مختلفة. وما به الاشتراك لا يكون علة لما به الامتياز. والقسم الثاني باطل. لأنا دللنا على أن الجسم ذات قائمة بنفسها ، فيمتنع أن يكون لها محل. والقسم الثالث أيضا باطل. لأن الأجسام كما أنها مختلفة في هذه الصفات المحسوسة (فهي أيضا مختلفة في الصفات المقتضية لهذه الصفات المحسوسة) (٣) فهي لا بد ، وأن تكون لصفات أخرى. ويلزم التسلسل. ثم
__________________
(١) من (س).
(٢) قبله سقط (م).
(٣) من (م ، ت).
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٣ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3632_almatalib-alalia-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
