مرجح وقع على سبيل الوجوب ، وحينئذ يصير المؤثر موجبا. وذلك يقدح في قولهم : إنه على سبيل الصحة لا على سبيل الوجوب. فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال : إنه تعلقت قدرته باقتضاء وجود العالم تعلقا على سبيل الجواز ، لا على سبيل الوجوب. ومع ذلك فإنه لا يفتقر إلى المرجح؟ فنقول : هذا قول بأن الجائز لا يتوقف رجحان حصوله على عدمه على حصول المرجح. ولما جوزتم ذلك ، فحينئذ ينسد عليكم الاستدلال بجواز العالم وبحدوثه على افتقاره إلى الصانع ، وكل فرع أفضى إلى بطلان الأصل كان باطلا.
والحاصل أن (الجواز إما أن) (١) يحوج إلى المقتضي أو لا يحوج إليه. فإن أحوج إلى المقتضي فأينما حصل وجب حصول الاقتضاء إلى المقتضى. فبطل قولهم : إن تعلق قدرة الله بأحداث العالم وقع على سبيل الصحة والجواز ، مع أنه لا يفتقر إلى المقتضى. وإن قلنا : إن الجواز من حيث هو جواز لا يحوج إلى المقتضى ، فحينئذ لا يلزم من كون العالم جائز الوجود افتقاره إلى المقتضى. وذلك يسد باب الاستدلال بحدوث العالم ، أو بإمكانه على افتقاره إلى المؤثر. فهذا تمام الكلام في تقرير هذا البحث.
الحجة السادسة : إن كون القادر قادرا على الترك محال. لأن المراد هاهنا بالترك بقاؤه على عدمه الأصلي. والعدم الأصلي محال أن يكون مقدورا لوجهين :
الأول : أن القدرة صفة مؤثرة ، والعدم نفي محض. فإسناد النفي المحض إلى القدرة التي هي صفة مؤثرة محال. والثاني : إن العدم حال بقائه ، لا يمكن إسناده إلى المؤثر ، لأنا لو أسندنا الباقي إلى المؤثر ، لزم تكوين الكائن وتحصيل الحاصل ، وهو محال. فيثبت بهذين الوجهين أن إسناد العدم المستمر إلى القادر : محال. وإذا ثبت هذا امتنع كون القادر قادرا على الترك. وإذا ثبت أن القادر لا تعلق له إلا بجانب الوجود ، وأما جانب العدم فلا تعلق له به ، وإذا كان القادر لا صلاحية له إلا في التأثير في جانب الوجود بعينه ، فحينئذ لا
__________________
(١) سقط (م).
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٣ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3632_almatalib-alalia-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
