يستحق عليه الثواب ؛ لأن بعض الحسن لا يستحق عليه ثواب ، كالمكروه والمباح فإنهما حسنان عند المحققين ولا ثواب فيهما ، (فلو كانت من الله لما حسن شيء من ذلك كما لم يحسن شيء من ذلك على صورهم وألوانهم ، فإذا حسن ثوابهم وعقابهم ، ومدحهم وذمهم ، على أفعالهم ، ولم يحسن شيء من ذلك على صورهم وألوانهم علمنا) الفرق بين أفعال العباد وبين الصور والألوان ودل ذلك على (أن أفعالهم منهم لا من الله تعالى ، وذلك مقرر في عقل كل عاقل).
فإن قالوا : ألستم تحمدون الله تعالى على الإيمان وهو من فعلكم؟ (١)
والجواب : أنا نحمده على مقدمات الإيمان من الإقدار والتمكين والتوفيق ، وهو يحمدنا تعالى على فعله كما صرح به في قوله تعالى : (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) [الإسراء : ١٩] وقوله تعالى : (وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) [آل عمران : ١١٥] وصار الحال في حمدنا له تعالى على الإيمان كالحال في الوالد إذا اجتهد في تخريج ولده وحسن تأديبه حتى يبدو صلاحه ، فإنه يقال : هذا من أبيه ، والمراد أنه تقدم من أبيه من العناية والرعاية ما كان سببا في ذلك.
ولنا طريقة أخرى سمعية ، وإنما استدللنا بالسمع هنا وإن كان العلم بصحته يقف على العلم بهذه المسألة استظهارا على الخصوم ، لموافقتهم في أنه دلالة ، ولأنهم تمسكوا بالمتشابه فتمسكنا بالمحكم على أن المتأخرين من أصحابنا كالشيخ الحسن الرصاص (٢)
__________________
(١) قد أورد هذا السؤال بعض المجبرة على رجل من أهل العدل ، فأجاب العدلي بجواب لم يصب فيه وفي الحضرة ثمامة بن الأشرس ، فأجاب ثمامة بقوله : إنا لا نحمد الله على الإيمان ، وإنما هو يحمدنا عليه ؛ لأنا الفاعلون له ، ثم التفت إلى الحاضرين فقال : شنعت المسألة فسهلت ، وروي أنه كان في الحضرة جعفر بن حرب ، وقيل : بل بشر بن المعتمر ، وقد أجاب عن هذا السؤال من أجاب بمثل جواب الإمام المؤلف ، وأجاب الفقيه حميد ـ رحمهالله ـ فقال : نحن نمدح الباري تعالى على الإيمان نفسه ؛ لأنه الفاعل لمقدماته والباعث عليه بالدلالة العقلية وصار لذلك كالفاعل ، أفاد معنى هذا صاحب شرح الخلاصة.
(٢) الحسن بن محمد بن الحسن بن أبي الطاهر محمد بن إسحاق بن أبي بكر بن عبد الله الرصاص ، محقق أصولي واسع الدراية ، تتلمذ على شيخ الإسلام : القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام ، ونبغ في سن مبكرة ، وكان عالم الزيدية في عصره ، وإليه انتهت رئاسة أصحاب القاضي جعفر ، عكف على التدريس والتأليف. وله تلامذة أجلهم وأعظمهم : المنصور بالله ـ عليهالسلام ـ.
