العلامة محمد بن عز الدين المفتي ـ رحمهالله ـ ، وهذا الذي تقدم صدر الدليل هو الدليل المسمى دليل المقابلة.
وذهب جماعة من الآل إلى الاستدلال بالدليل المسمى دليل الموانع ، وهو (أنه لو كان يرى في حال من الأحوال لوجب أن نراه الآن) ، ومعلوم بالضرورة أنا لا نراه الآن كما سيأتي ، وإنما قلنا : لو كان يرى في حال من الأحوال لوجب أن نراه ؛ فذلك (لأنّ) من المعلوم قطعا أن (الحواس) التي لو أدرك المدرك لما أدرك إلا بها (سليمة) بدليل أن المدركات تدرك بها ، ولو كانت سقيمة لم تدرك (والموانع مرتفعة) ، وهي ثمانية : البعد ، والقرب المفرطان ، والرقة واللطافة ، والحجاب الكثيف ، وكون المرئي في خلاف جهة الرائي ، وكون محله في بعض هذه الأوصاف ، وعدم الضياء المناسب للعين ، (وهو تعالى موجود) كما تقدم وحاصل على الصفة التي لو رئي لما رئي إلا لكونه عليها ، (وهذه الأمور) الأربعة (هي التي تصح معها رؤية المرئيات) ، والخامس : أن هذه الشرائط هي التي يجب معها رؤية المرئيات ، فهذه خمسة أصول ، وأما أن الحواس سليمة فقد تقدم دليله ، وأما ارتفاع الموانع في حقه تعالى ؛ فلأنها إنما تمنع من رؤية الأجسام والألوان ، وليس بجسم ولا لون تعالى عن ذلك ، وأما أنه تعالى موجود فقد تقدم ، وأما أن هذه الشرائط هي التي معها ترى المرئيات ؛ فلأنه قد حصل المقتضي ، وهو كون أحدنا حيا ، وشرط الاقتضاء وهو صحة الحاسة ، وزوال المانع ووجود المدرك ، فيجب حصول المقتضى ، وهو كون أحدنا مدركا له تعالى ، ومتى قيل هو يرى ، وقولكم : لم نره الآن دعوى تحتاج إلى برهان.
قلنا : (والذي يدل على أنا لا نراه أنا لو رأيناه الآن لكان معلوما بطريق المشاهدة ، ومعلوم ضرورة أنا لا نشاهده الآن ، فثبت) بذلك المذكور من دليل العقل القطعي (أن الله لا يرى بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة ، وقد) جاء السمع مؤكدا لما دل عليه العقل من نفي الرؤية حيث (قال تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) [الأنعام : ١٠٣] فنفى تعالى أنه يدرك بالبصر مطلقا في
