رسول الله رب العالمين فيما أمرت به ونهيت. وذلك كالواحد منا ، إذا أمر غيره أو نهاه ، ولم يكن مبلغا عن الغير ، فإنه لا يسمى رسولا. وذلك لازم في حق المعترف بالنبوات ، المصدق بالرسالات ، لا محالة. وإذا تحقق ما ذكرناه ، فلا بد من الإشارة إلى الكشف عما يختص بهذا الطرف من شبه الجاحدين ومعتمد المعطلين.
أما الفلاسفة ، فإنهم قالوا : ما ذكرتموه من الطريقة في إثبات الكلام ، فإنه متوقف على التصديق بكبراها. وبم الرد على منكرها ، والجاحد لصدقها في نفسها والذي يدل على كذبها في نفسها أنه لو كان لله كلام لم يخل إما أن يكون من جنس كلام البشر أو ليس : فإن كان من جنس كلام البشر فهو محال ، وإلا لزم أن يكون مشاركا لكلام البشر في جهة الإمكان والعرضية ، ويلزم أن يكون الباري تعالى محلا للأعراض وهو متعذر. ثم إن كان من جنس كلام البشر ، فإما أن يكون من جنس كلام اللسان ، أو مما في النفس ، فإن كان من جنس كلام اللسان فإما أن يكون بحروف وأصوات ، أو لا بحروف ولا أصوات ، أو صوت بلا حرف ، أو حرف بلا صوت.
لا جائز أن يقال بالأول ، إذ الصوت لا يكون إلا عن اصطكاكات أجرام ، والحروف هي عبارة عن تقطيع الأصوات ، وذلك يستدعي أن يكون الباري جرما ، وهو ممتنع. ولا جائز أن يقال بالثاني ، وإلا فهو خارج عن جنس اللسان ، فإن كلام اللسان عبارة عن الأصوات مقطعة ، دالة بالوضع على غرض مطلوب. وعلى هذا يمتنع تفسيره بالثالث والرابع أيضا. ثم كيف يكون الكلام حروفا بلا أصوات ، وليست الحروف إلا عبارة عن تقطيع الأصوات؟ أو كيف يكون الصوت كلاما من غير حرف ، وكيف يقع الافتراق بينه وبين هبوب الرياح ، ودوي الرعود ، ونقرات الطبول ، ونحوه؟
هذا إن قيل : إنه من جنس كلام اللسان ، وإن قيل : إنه من جنس ما في النفس ، فذلك لا يسمى كلاما ، ولو سمي كلاما ، فالمعقول من كلام النفس
