وإن ادعى ذلك في حق المخلوق فقط فإنه ، وإن سلّم ، مع إمكان النزاع فيه ، فليس بحجة في حق الغائب ، على ما سلف.
ولربما وقع الاعتماد هاهنا أيضا على الطريق المشهور وهو أن الباري تعالى حي فلو لم يكن متصفا بالكلام لكان متصفا بضده وهو الخرس ، وذلك في الباري ـ تعالى ـ نقص. وقد نبهنا على ما فيه من الخلل ، وأشرنا إلى ما يتضمنه من الزلل ، فيما سلف فلا حاجة إلى إعادته.
ولما تخيل بعض الأصحاب ما في طي هذه المسالك من الزيف ، واستبان ما في ضمنها من الحيف ، جعل مستنده في ذلك جملا من الأحاديث الواردة من السنة ، وأقاويل الأمة ، وهي مع تقاصرها عن ذروة اليقين ، وانحطاطها إلى درجة الظن والتخمين ، من جهة المتن والسند ، فالاحتجاج بها إنما هو فرع إثبات الكلام ، إذ مستند قول الأمة ليس إلا قول الرسول ، والرسول لا معنى له إلا المبلغ لكلام المرسل ، فإذا لم يكن للمرسل كلام لم يكن من ورد الأمر والنهي على لسانه رسولا بل هو الآمر والناهي. سواء كان ذلك مخلوقا له أو لغيره على اختلاف المذاهب ، ولا يكون ذلك حجة. وصار كما في الواحد إذا أمر غيره أو نهاه. فإذا حاصل الاستدلال على ثبوت الكلام يرجع إلى ما الاحتجاج به فرع ثبوت الكلام. وهو دور ممتنع ، ولا حاصل له عند منكري النبوات وجاحدي الرسالات.
فإذا ما هو أقرب إلى الصواب في هذا الباب ، إنما هو الاعتماد على ما وقع عليه الاعتماد أولا ، من إثبات الصفات السابقة. ثم كيف لا يكون له كلام ، وبه يتحقق معنى الطاعة والعبودية لله ـ تعالى ـ ؛ فإن من لا أمر له ولا نهي له لا يوصف بكونه مطاعا ولا حاكما. وبه أيضا يتحقق معنى التبليغ والرسالة ؛ فإنه لا معنى للرسول إلا المبلغ لكلام الغير ، فلو لم يكن لله تعالى كلام وراء كلام الرسول المخلوق فيه ـ إما له عندهم ، أو لله تعالى على أصلنا ـ لما صح أن يقال إنه مبلغ ولا رسول ، ولكان كاذبا في دعواه : إني
