وإن شئت أن تلبس هذا المعنى صورة شرطية. قلت : لو لم يتصف بالإرادة ، لكان أنقص مما اتصف بها ، لما بيناه. والتالي باطل ، فالمقدم باطل.
فإن قيل : هذا اللزوم متوقف على تحقيق الإرادة شاهدا ، وبم الرد على الجاحظ في إنكارها؟ قلنا : كل عاقل يجد من نفسه العزم والإرادة والقصد ، والتفرقة الواقعة بين الفعل الواقع على وفق الإرادة والواقع على خلافها ، وذلك كما في حركة المرتعش والمختار ، كما يجد من نفسه أن له علما وقدرة ونحو ذلك ، ولا يمكن إسناد ذلك إلى العلم ، فإن التفرقة قد تحصل بين الشيئين وإن كان تعلق العلم بهما على السواء وهذا مما لا ينكره عاقل إلا عنادا. ثم ولو جاز إنكار ذلك شاهدا ، لجاز إنكار العلم والقدرة ، إذ لا فرق بينهما وبين الإرادة ، فيما يجده الإنسان في نفسه ، ويحسه في باطنه.
فإن قيل : فلو سلم ذلك ثبوت صفة الإرادة شاهدا ، فما اعتمدتم عليه منتقض بالشم والذوق واللمس ، وغير ذلك من كمالات الموجودات شاهدا. كيف وأن ما تنسبونه له من الصفة ، إما أن يكون من جنس ما في الشاهد ، أو ليس : فإن كان الأول فهو محال. وإلا للزم أن تكون مشاركة للإرادة شاهدا في جهة العرضية والإمكان. ويلزم أن يكون الباري محلا للأعراض وهو متعذر ، وإن كان الثاني فهو غير معقول ، وما ليس بمعقول كيف نسلم كونه كمالا للرب تعالى ، وأن عدمه نقصان وهل ذلك كله إلا خبط في عشواء؟
قلنا : أما النقض فمندفع ، إذ المحصلون لم يمنعوا من إثباتها له ، لكن بشرط انتفاء الأسباب المقترنة بها في الشاهد ، الموجبة للحدث والتجسيم ، ونحو ذلك مما لا يجوز على الله تعالى. كما جوزوا عليه الإدراك والسمع والبصر ، لكن لم يتجاسر على إطلاقها في حق الباري تعالى لعدم ورود السمع بها. والحاصل أنه مهما ثبت من الكمالات شاهدا فلا مانع من القول بإثباتها غائبا مع هذا الاشتراط. وأما من فرق بين كمال وكمال من أهل الحق ، فلعله لم ير ما نفاه مما يتم إلا بأمور موجبة للحدث والافتقار كاتصالات ومماسات
