ومما يؤكد القول بانتفاء التنصيص إنكاره من أكثر المعتقدين لتفضيل علي ـ عليهالسلام ـ على غيره كالزيدية ومعتزلة البغداديين وغيرهم ، مع زوال التهمة عنهم والشك في قولهم. وقوله ـ عليهالسلام ـ حين خرج إلى غزوة تبوك لعلي ـ وقد استخلفه على قومه : «أنت مني كهارون من موسى» معناه : في الاستخلاف على عشيرتي وقومي كما كان هارون مستخلفا على قوم موسى من بعده ، وليس في ذلك دلالة على استخلافه بعد موته ، فإن ذلك مما لا يثبت لهارون المشبه به بعد موسى ؛ لأنه مات قبله في التيه ، وما ورد في مساق الحديث من قوله : «إلا أنه لا نبي بعدي» ليس المعنى به بعد موتي ، حتى يكون ما ذكرناه مخالفا لظاهر الحديث ، بل معناه : بعد نبوتي ، لا معي ولا بعدي. وذلك كما يقال : لا ناصر لك بعد فلان أي بعد نصرته لا معه ولا قبله ، وهو وإن افتقر إلى إضمار النبوة فما ذكروه أيضا لا بدّ فيه من إضمار الموت ، وليس إضماره بأولى من إضماره ، بل ما ذكرناه أولى ؛ نفيا لإبطال فائدة التخصيص بما بعد الموت ، فإنه كما قد عرف امتناع وجود نبي آخر بعد وفاته ، عرف امتناع وجوده في حياته ، والاستخلاف في حالة الحياة مما لا ينتهض دليلا على الاستخلاف بعد الموت ، وإلا كان ذلك دليلا في حق الولاة والقضاة ، وكل من تولى شيئا من أمر المسلمين في حالة حياة النبي عليهالسلام ، وكل عذر ينقدح هاهنا فهو بعينه منقدح في قوله عليهالسلام. ثم الذي يؤكد ما قلناه أنه لو صدرت هذه العبارة عن خليفة الوقت ، إلى واحد من المسلمين ، لم يكن ذلك عهدا له بالخلافة بعد الموت إجماعا ، وإن كان ذلك مما يدل على فضله وعلو رتبته ، وعلى هذا يخرج قوله عليهالسلام : «أنت أخي وخليفتي على أهلي وقاضي ديني ومنجز
