ثبت مذهب أهل الحق ، وفاز أهل السبق.
ولم يبق إلا القول في العدم ، وهو أنه هل هو للجواهر والأعراض أم للأعراض دون الجواهر؟
والجواب : أن ذلك كله ممكن من جهة العقل ، وليس تعيين ذلك واقعا من ضرورة عقلية ولا نقلية ، فتعيين شيء من ذلك يكون غباء.
هذا حكم الحشر والنشر ، وعذاب القبر ومساءلته ، ونصب الصراط ، والميزان ، وخلق النيران والجنان ، والحوض ، والشفاعة للمؤمن والعاصي ، والثواب ، والعقاب ، فكل ذلك ممكن في نفسه أيضا ، وقد وردت به القواطع السمعية ، والأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، من السلف ومن تابعهم من الخلف ، مما اشتهاره مغن عن ذكره. فوجب التصديق به والإذعان لقبوله ، والانقياد إليه والتعويل عليه ، على وفق ما اشتهر عن النبي صلىاللهعليهوسلم وصحابته والعلماء من أمته.
فإن قال قائل من المعتزلة المقرين بالدين ، الخارقين لقواعد المسلمين : كيف يمكن القول بعذاب القبر ومساءلته ، مع أنا نرى الميت ونشاهده ، ولا نحس عند وضعه في اللحد بصوت سؤال ولا جواب ، ولا نشاهد في حاله لا نعيما ، ولا عذابا ، لا سيما إذا افترست لحمه الوحوش والسباع ، وأكلته طيور الهواء أو سمك الماء.
أم كيف يمكن القول بوضع الصراط والميزان ، وخلق الجنة والنار في الآن؟ فإنه إما أن يكون ذلك كله لفائدة أو لا لفائدة ، فالفائدة المطلوبة من نصب الصراط ليست إلا العبور عليه ، وذلك متعذر جدا بالنسبة إلى الطائع والعاص معا ؛ لكونه كما قيل أحد من السيف وأدق من الشعرة ، والفائدة من نصب الميزان ليست إلا وزن الأعمال وذلك أيضا متعذر ؛ لأنها إما أن توزن في حال عدمها أو بعد إعدامها : القسم الأول محال جدا. والقسم الثاني محال لما بيناه فيما مضى. ثم ولو قدر إعادة الأعراض المتجددة فوزنها لا محالة أيضا
