ثبوت لذاته عند الحكم بجوازه قبل حدوثه.
وأما ما ذكروه من فصل التمييز بين الجوهر والعرض فغايته استبعاد العلم بما قصد إلى إيجاده ، وتصور حقيقته على وجه يتميز بخصوص وصفه عن غيره ، وذلك لا يلزم منه تحقق الذات في نفسها أو ثبوتها قبل الحدوث لما سبق ، ثم ولو استدعى ذلك ثبوتها قبل الحدوث لجاز أن ما كان منها مشارا إلى جهته بعد الحدوث أن يكون مشارا إلى جهته قبل الحدوث أيضا ، وذلك أن ما له الجهة وهو الواقع في امتداد الإشارة إما أن يكون نفس الوجود الذي هو متعلق القدرة فهو محال ؛ فإنه ذات معقولة وليس بمحسوس ، بحيث يكون في الجهة ويقع في امتداد الإشارة ، وإن كان ذلك ثابتا للذات والذات ثابتة قبل الحدوث فوجب أن يكون أو جاز أن يكون في الجهة وهو محال.
ومثار الجهل ومنشأ الخيال هاهنا لأهل الضلال في اعتقاد كون المعدوم شيئا إنما هو من تطفلهم سلوك مسلك الهيولانين ، ونسجهم على منوال الفلاسفة الإلهيين ، وظنهم أن ذلك من اليقينيات ، وأنه لا منافرة بينه وبين القول بحدث الكائنات ، ولهذا لما تخيل بعضهم ما فيه من الجهالة ، وشحذ راية الضلال قال : إنما نطلق عليه اسم الشيء والذات من جهة الألفاظ والعبارات ، وربما تمسك في ذلك بالسمع وظواهر واردة في الشرع ، مثل قوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً) [الكهف : ٢٣] وكذلك قوله : (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) [الحج : ١] فإنه قد سمّى الساعة والفعل ، قبل كونهما ، شيئا ، وهذا وإن كان نزاعا في اللفظ دون المعنى ، وأنه أقل طغاوة من الأول ، لكنه مما لا عليه معول ، ومعنى قوله : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ) أي فاعل غدا شيئا إلا أن يشاء الله ، وكذا تسميته زلزلة الساعة شيئا إنما هو في وقت كونهما وهذا على رأي من لا يعترف منهم بكون
