ولجوهرها لزم أن يكون الباري جوهرا ، وهو ممتنع لما مضى. وإن كان باعتبار صفة قائمة به وهو قابل لها ، فلا بد وأن تكون تلك الصفة قائمة بذات الرب ، لضرورة ما حققناه. وعند ذلك فقبول الجوهر لتلك الصفة إما لذاته أو لصفة أخرى فإن كان لصفة أخرى فإما أن يتسلسل الأمر إلى غير النهاية ، أو ينتهي إلى صفة قبولها ليس إلا لذات ما قامت به من الجوهر : لا جائز أن يقال بالأول لما فيه من الامتناع ، وإن قيل بالثاني لزم تناهي ذات واجب الموجود ، وذلك مع ما أوجبناه من الاشتراك في القابل ، يوجب جعل ذات واجب الوجود جوهرا لكون ما انتهى إليه قبول التحيز من الجواهر جوهرا ، لكن الباري ليس بجوهر كما سلف ، فليس في جهة.
وما يخيّل من الاشتراك في قبول الوجود وغيره من الصفات كالعلم والقدرة ونحوه بين الخالق والمخلوق ، مع اختلاف حقيقة القابل ، فمؤذن بقصور المتمسك عن بلوغ كمال آلات الإدراكات ، ومصوت عليه بعجزه عن الارتقاء إلى درجة النظر في المعقولات ، فإنه إن اعتقد أن الوجود نفس الموجود ، وأنه ليس بزائد عليه ، فلا يخفى أن الاشتراك ليس إلا في التسمية دون المعنى ، والإشكال إذ ذاك يكون مندفعا. وإن قدر أنه زائد على نفس الموجود فالواجب أن يعتقد اختلافه في نفسه عند اختلاف قوابله ، لما مهدناه ، أن لا يلفت إلى ما وقع به الاشتراك في الاسم ، وكذا في كل صفة يتخيل المشاركة فيها بين الخالق والمخلوق ، وأن لا يعول على من قصر فهمه وتبلد طبعه عن درك كل ما أشرنا إليه من التحقيق ، ونبهنا عليه من التدقيق.
فإن قيل : لا محالة أن كل شيئين قاما بأنفسهما ، بحيث لا يكون أحدهما محلا للآخر فإما أن يكونا متصلين أو منفصلين ، وعلى كلا التقديرين فلا بد وأن يكون كل واحد منهما بجهة من الآخر ، والباري والعالم كل واحد قائم بنفسه ، فإما أن يكونا متصلين أو منفصلين وربما أورد عبارة أخرى فقيل : إما أن يكون قد خلق العالم في ذاته أو خارجا عن ذاته : لا جائز أن يكون في
