وجود ذلك الوصف أشرف منه بالنسبة إلى عدمه ، ولا جائز أن يقال : إنها موجبة لكماله ، وإلا لوجب قدمها لضرورة أن لا يكون الباري ناقصا محتاجا إلى ناحية كمال في حال عدمها. فبقي أن يكون اتصافه بها مما يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتصف بها ، وبالنسبة إلى ما لم يتصف بها من الموجودات ، ومحال أن يكون الخالق مشروفا أو ناقصا بالنسبة إلى المخلوق ، ولا من جهة ما ، كما مضى.
فإن قيل : لو لم يكن قابلا للحوادث فعند وجود المسموعات ، والمبصرات إما أن يسمعها ويبصرها أو ليس : لا جائز أن يقال إنه لا يسمعها ولا يبصرها إذ هو خلاف المذهبين ، وإن أبصرها وسمعها فلا محالة أن حصول ذلك له بعد ما لم يكن ، وإلا كانت المسموعات والمبصرات قديمة لا محالة. فلو لم يكن قابلا للحوادث حتى يخلق في ذاته سمعا وبصرا يكون به الإدراك ، وإلا لما كان مدركا ، وهو محال.
قلنا : دعوى إدراكه المدركات بعد ما لم يكن مدركا إما أن يراد به أنه لم يكن له إدراك فصار له إدراك ، أو يقال بقدم الإدراك وتجدد تعلقه بالمدرك : فإن قيل بالأول فهو محز الخلاف وموضع الاعتساف ، فما بال الخصم مسترسلا بالدعوى من غير دليل ، مع ما قد عرف أن من أصولنا كونه سميعا بصيرا فيما لم يزل ، والمتجدد ليس إلا تعلق الإدراك بالمدركات ، إذ شرط تعلق الإدراك بالمدركات وجود المدركات فإذا وجدت تعلق بها. أما أن يكون المتجدد هو نفس الإدراك فلا يخفى أن ما قضي بتجدده ليس صفة قائمة بذات الرب تعالى ، فتجدده لا يلزم منه محال.
وليس القول بوجود الإدراك مع عدم المدرك بمستبعد ، فإنه لا يتقاصر عن قول الخصم بأنّ ما يحصل به الإدراك من الصفة الحادثة في الذات يبقى وإن زالت المدركات وعدمت ، على ما عرف من أصله ، ومع الاعتراف بجواز الاتصاف بالإدراك ، وإن زال المدرك ، لا يرد الإشكال ؛ إذ لا فرق عند كون
