قالوا : ولا يلزم على ما ذكرناه الخلق ، فإنه غير قائم بذاته ، إذ لا فرق بينه وبين المخلوق.
وهذا الطريق أيضا من النمط الأول في الفساد ، وذلك أن قائله ، وإن كان ممن يقول بالأحوال ، لكنه يعترف بكونها زائدة على الذات ، وحصول أمر زائد على الذات للذات مما لا يوجب افتقار الذات إلى غيرها ، وإن كان ذلك الشيء الحاصل حادثا. نعم غاية ما يقدر افتقار الحاصل إلى مرجح ، والمرجح لا يستدعي أن يكون خارجا عن الذات ، بل للخصم أن يقول : المرجح إنما هو الذات بالقدرة والمشيئة الأزلية ، كما كانت مرجحة الصفة الموجبة لهذا الحكم الحاصل. وهذا مما لا محيص عنه إلا بالتعرض إلى إبطال القول بكون الذات مرجحة بالقدرة والمشيئة بطريق آخر ، وفيه خروج عن خصوص هذا الطريق إلى ما هو مستقل بإفادة المقصود.
فإن قيل : إذا صلح أن تكون ذات واجب الوجود مرجحة بالقدرة والمشيئة جاز أن تجعل مرجحة لكل محدث ، إذ لا فرق بين الحادث والمحدث من حيث أنه لم يكن فكان ، وإن افترقا من حيث أن أحدهما صفة والآخر خارج ، وذلك مما لا يثير خيالا ، وإذا صلح أن يكون المرجح للمحدثات القدرة القديمة والمشيئة الأزلية فلا حاجة إلى الحادث الذي هو القول والإرادة.
قلنا : وهذا أيضا مما لا يثير غبارا على وجه الكلام ، وذلك أنه وإن قدر صلاحيته لإحداث المحدثات فلا يلزم أن لا يضاف إليه إحداث صفة في ذاته من كونه صالحا أن يحدث المحدثات ، وليس هذا في ضرب المثال ، إلا كما لو قال القائل إنه إذا كان صالحا لإيجاد الإنسان ينبغي ألا يكون موجد للفرس ، ولا يخفى ما فيه من الركاكة والشناعة.
وما قيل : من أنه لا فائدة في إيجاده فمتهافت أيضا ، فإنه مع ما فيه من الركاكة ومحض الدعوى ، والقول بوجوب رعاية الصلاح والغرض يلزم عليه
