أما قوله : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) فيحتمل أنه أراد به الإدراك الذي يتبادر إلى الأفهام ، ويغلب على الأوهام ، من الإحاطة بالغايات ، والتحديد بالنهايات ، دفعا لوهم من يتوهم أنه يرى ، لصورة أو شكل مخصوص. ويحتمل أنه أراد بذلك في دار الدنيا ، ويكون المراد من ذلك اللفظ العام المعنى الخاص كما في قوله : (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد : ١٦] وقوله : (ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) [الذاريات : ٤٢] إلى غير ذلك من الآيات ، والظواهر السمعيات. وأما وجه التمدح فليس إلا في قوله : (يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) لا في قوله : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) ولا يمكن حمله على كلا القسمين ، فإن بعض الموجودات عند الخصم لا يدرك بالأبصار ، وليست ممدوحة بذلك ، وامتداحه لنفسه فيما وقع به الاشتراك بينه وبين ما ليس بممدوح محال ، كما إذ قال : أنا موجود أو ذات. كيف لا وإن الخصم لا يمكنه التمسك بهذه الآية ، فإن ما ثبت للباري تعالى يجب أن يكون نفس ما نفي عن غيره ، وما ثبت للباري عند الخصم ليس إلا نفس العلم بالأبصار لا أمرا زائدا عليه ، فالمنفي عن الأبصار يجب أن يكون نفس العلم وليس ذلك حجة في نفي الإدراك الذي هو زائد على العلم.
وقوله لموسى ـ عليهالسلام ـ (لَنْ تَرانِي) فيحتمل أنه أراد ذلك في دار الدنيا ، لا في العقبى ، وهو الأولى لأن يكون الجواب مطابقا للسؤال ، وهو لم يسأل الرؤية في غير الدنيا.
«ولن» فقد قيل : المراد بها التأكيد لا التأييد ، وإذ ذاك فالتخصيص جائز كما مضى. وإن قدر أن ذلك متأبد في حق موسى ـ عليهالسلام ـ فليس ذلك حجة في نفي الرؤية بالنسبة إلى غيره مطلقا. والقول بتأويل هذه الظواهر على ما ذكرناه أولى عملا بالظاهر من الجانبين وجمعا بين البديلين ، وذلك ينعكس في تأويل ما اعتمدنا عليه ، فإن ذلك لا يقع إلا بصرفه ما لا
