|
إني إليك لما وعدت لناظر |
|
نظر الذليل إلى العزيز القاهر (١) |
ومقال العرب : نظرت إلى فلان ، أي أبصرته ببصري.
والنظر المذكور في الآية موصول بإلى فوجب حمله لغة على النظر بالعين ، فإن قيل قد يوصل النظر بإلى ولا يراد به الإبصار بالعين ، ومنه قول الشاعر :
|
ويوم بذي قار رأيت وجوههم |
|
إلى الموت من وقع السيوف نواظرا (٢) |
والموت لا يتصور أن يكون مرئيا بالعين ، ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بقوله : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) [القيامة : ٢٢ ، ٢٣] أي إلى ثواب ربها ناظرة ، ويكون ذلك تجوزا بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. كيف وهى معارضة بقوله ـ تعالى ـ : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) [الأنعام : ١٠٣] وقوله لموسى : (لَنْ تَرانِي) وهى للتأييد ، وليس العمل بأحد الظاهرين بأولى من الآخر ، بل الترجيح لنا ، فإنه أورد ذلك في معرض التمدح والاستعلاء فلو جاز أن يكون مدركا عنه التمدح ، وهو محال.
قلنا قد بينا أنه مهما اتصلت «إلى» بالنظر فإنه لا يراد به غير النظر بالعين ، وهو المراد من قول الشاعر : (إلى الموت من وقع السيوف نواظرا) لكن يحتمل أنه أراد بالموت الكر والفر ، والطعن والضرب ، معبرا باسم المسبب عن السبب. ويحتمل أنه أراد به أهل الحرب الذين يجري الموت والقتل على أيديهم ، ولهذا قال الشاعر :
|
أنا الموت الذي خبرت عنه |
|
فليس لهارب مني نجاء |
وأما نسبة النظر إلى الثواب ، فمع مخالفته الظاهر فيمتنع حمله عليه ، فإن ذلك إنما ورد في معرض الامتنان والإنعام ، والنظر إلى الثواب ليس بثواب ولا إنعام ، فيكون فيه إبطال فائدة الإنعام ، وهو ممتنع.
__________________
(١) انظره في تفسير القرطبي (١٩ / ١٠٩).
(٢) قائله : جرير كما في ديوانه ص ١٤.
