فإن قيل : يلزم من ذلك إبطال فائدة التخصيص بذكر خلق آدم باليدين ؛ من حيث إن سائر المخلوقات إنما هي مخلوقة بالقدرة القديمة ، فإذا قال : (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) [ص : ٧٥] أي بقدرتي لم يكن لها معنى.
قلنا : لا يبعد أن تكون فائدة التخصيص بالذكر التشريف والإكرام ، كما خصص المؤمنين بلفظ العباد وأضافهم بالعبودية إلى نفسه. وكما أضاف عيسى والكعبة إلى نفسه ولم تكن فائدة التخصيص بالذكر اختصاصا ما أضافه إلى نفسه بالإضافة ، بل التشريف والإكرام لا غير. ثم إنا قد بينا أن للباري ـ تعالى ـ قدرة وهى معنى يتأتى به الإيجاد ، واليدان إما أن يتأتى بهما الإيجاد والخلق أو ليس ، فإن تأتى بهما الإيجاد. فهي نفس القدرة ، لا زائدا عليها ، وإن اختلفت العبارات الدالة عليها ، والقول بالتعدد في صفة القدرة مما لا سبيل إليه ، لما أشرنا إليه. وأما إن كانت مما لا يتأتى بها الإيجاد والخلق فلا محالة ـ أن في حمل اليدين إلى غير القدرة ما يفضي إلى الكذب في الآية ، حيث أضاف الخلق والإيجاد إليهما ولا محالة أن محذور إبطال فائدة التخصيص أدنى من المحذور اللازم من الكذب ، وعلى تقدير التساوي فالاحتمال قائم ، والقطع منتف.
وأما قوله : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) [القمر : ١٤] فإنه يحتمل الحفظ والرعاية ، ولهذا تقول العرب : فلان بمرأى من فلان ومسمع ، إذا كان ممن يحوط به حفظه ورعايته ، ويشمله رفده ورعايته وقد قيل : إنه يحتمل أن يراد بالأعين هاهنا على الخص ما انفجر من الأرض من المياه ، وأضافها إلى نفسه إضافة التملك.
وقوله : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن : ٢٧] فإنه يحتمل أن يكون المعني بالوجه الذات ومجموع الصفات ، وحمله عليه أولى ؛ من جهة أنه خصصه بالبقاء وذلك لا يختص بصفة دون صفة ، بل هو بذاته ومجموع صفاته باق.
