المسيح ونزهه عما افترته عليه اليهود وما غلت فيه النصارى ، فهو الذي شهد له بالحق ، ولهذا لما سمع النجاشي من الصحابة ما شهد به محمد صلىاللهعليهوسلم ، للمسيح قال لهم بما زاد عيسى على ما قلتم هذا العود ، وجعل الله أمة محمد صلىاللهعليهوسلم ، (شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة : ١٤٣] شهدوا عليهم بما علموا من الحق ، إذ كانوا وسطا عدولا لا يشهدون بباطل ، فإن الشاهد لا يكون إلا عدلا ، بخلاف من جار في شهادته فزاد على الحق أو نقص منه كشهادة اليهود للنصارى في المسيح. «وأيضا» فان معنى الفارقليط ان كان هو الحامد أو الحماد أو المحمود أو الحمد فهذا الوصف ظاهر في محمد صلىاللهعليهوسلم ، فإنه وأمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال ، وهو صاحب لواء الحمد ، والحمد مفتاح خطبته ومفتاح صلاته ، ولما كان حمادا سمى بمثل وصفه فهو محمد وزن مكرم ومعظم ومقدس ، وهو الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره ويستحق ذلك ، فلما كان حمادا لله كان محمدا وفي شعر حسان :
|
اغرّ عليه للنبوة خاتم |
|
من الله ميمون يلوح ويشهد |
|
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه |
|
إذا قال في الخمس المؤذن اشهد |
|
وشق له من اسمه ليجله |
|
فذو العرش محمود وهذا محمد |
وأما «أحمد» فهو أفعل التفضيل ، أي هو أحمد من غيره أي أحق بان يكون محمودا اكثر من غيره ، يقال : هذا أحمد من هذا أي هذا أحق بان يحمده من هذا ، فيكون تفضيل على غيره في كونه محمودا فلفظ «محمد» يقتضي زيادة في الكمية ، ولفظ احمد يقتضي زيادة في الكيفية ومن الناس من يقول : معناه أنه أكثر حمدا لله من غيره ، وعلى هذا فيكون بمعنى الحامد والحماد ، وعلى الأول بمعنى المحمود. وإن كان الفارقليط بمعنى الحمد فهو تسمية بالمصدر مبالغة في كثرة الحمد ، كما يقال : رجل عدل ورضى ونظائر ذلك ، وبهذا يظهر سر ما اخبره به القرآن عن المسيح من قوله : (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف : ٦] ، فان هذا هو معنى الفارقليط كما تقدم ، وفي التوراة ما ترجمته بالعربية : «وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاك ها أنا قد باركت فيه وأثمره واكبره. بمأذمأذ» هكذا هذه اللفظة «مأذ» على وزن عمر ، وقد اختلف فيها
