الشديد لسوء سلوكهم وقبح أعمالهم.
وقوله تعالى : (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ (١) جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) أي اتخذ هؤلاء المنافقون أيمانهم التي يحلفونها لكم بأنهم مؤمنون وما هم بمؤمنين اتخذوها ستارة ووقاية يقون بها أنفسهم من القتل وأموالهم من الأخذ فصدوا بتلك الأيمان الكاذبة المؤمنين عن سبيل الله التي هي قتالهم لأنهم كفار مشركون يجب قتالهم حتى يدخلوا في دين الله أو يهلكوا لأنهم ليسوا أهل كتاب فتقبل منهم الجزية.
وقوله تعالى (فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) أي يوم القيامة يهانون ويذلون به.
وقوله تعالى (لَنْ تُغْنِيَ (٢) عَنْهُمْ) أي يوم القيامة أموالهم التي يجمعونها ويتمتعون بها اليوم كما لا تغنى عنهم أولادهم الذين يعتزون بهم (مِنَ اللهِ شَيْئاً) من الإغناء فلا تقبل منهم فدية فيفتدون بأموالهم ولا يطلبون من أولادهم نصرة فينصرونهم. (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) لا يخرجون منها ولا يموتون فيها ولا يحيون.
وقوله تعالى (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً) إي اذكر يا رسولنا يوم يبعثهم الله جميعا في عرصات القيامة (فَيَحْلِفُونَ (٣) لَهُ) أنهم كانوا مؤمنين (كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) اليوم أنهم مؤمنون. (وَيَحْسَبُونَ) اليوم أي يظنون أنهم على شيء من الصواب والحق (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) (اسْتَحْوَذَ (٤) عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) أي غلب عليهم (فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ) فلا يذكرونه إلا قليلا كما أنساهم ذكر وعده ووعيده فلذا هم لا يرغبون فيما عنده ولا يرهبون مما لديه. (أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ) أي أتباعه وجنده. (أَلا إِنَّ حِزْبَ (٥) الشَّيْطانِ) أي أتباعه وجنده (هُمُ الْخاسِرُونَ) أي المغبونون في صفقتهم في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة.
__________________
(١) (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) الجملة مستأنفة استثنافا بيانيا لأن سائلا قد يسأل : ما الذي حملهم على الحلف الكاذب؟ فالجواب اتخاذهم أيمانهم جنة والجنة الوقاية من جن إذا استتر أي : وقاية من شعور المسلمين ليتمكنوا من الصد عن الإسلام تحت شعاره.
(٢) في الآية إشارة إلى أن كبار المنافقين كانوا ذوي ثروة ومال وهذا من الأسباب الحاملة لهم على البقاء على الكفر حفاظا على أموالهم ومراكزهم في المجتمع في نظرهم ، فأخبر تعالى أنّ مالهم الذي يحافظون عليه أولادهم الذين يعتزون بهم إذا نزل بهم عذاب الله لن يغني ذلك عنهم من الله شيئا.
(٣) صح الحديث بأن من مات على شيء يبعث عليه ، ولما مات المنافقون على النفاق بعثوا عليه ، فلذا يحلفون لله تعالى أنهم كانوا مؤمنين كما هم يحلفون في الدنيا بأنهم مؤمنون وهم كاذبون ، وهذا كقوله تعالى : (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ). وهذا في عرصات القيامة.
(٤) مجرد استحوذ : حاذ الشيء : إذا أحاطه وصرفه كيف يريد ، يقال : حاذ العير : إذا جمعها وساقها غالبا لها فاشتقّوا منه استفعل : للاستيلاء ، والتدبير والمعالجة ولا يقال استحوذ إلا لمن كان عاقلا يحسن التدبير والتصريف.
(٥) جيء بحرف التنبيه والاستفتاح (أَلا) تنبيها على أهمية ما دخلت عليه وأنه مما يحق أن ينتبه له. وضمير الفصل (هو) لإفادة القصر ، وهو قصر إدعائى للمبالغة في مقدار خسرانهم.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ٥ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3468_aysar-altafasir-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
