لشدة الاحتياط ويفوته الاستماع للفاتحة ، ويفعل ذلك في أول الصلاة ثم يغفل في جميعها ، ولا يحضر قلبه ويغتر بذلك ، ولم يعلم أن حضور القلب في الصلاة هو الواجب ، وإنما غره إبليس وزين له ذلك وقال له : ذلك الاحتياط تتميز به عن العوام وأنت على خير عند ربك.
(وفرقة أخرى) غلبت عليهم الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة من مخارجها وكذلك سائر الأذكار ، فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء ، لا يهمه غير ذلك ، ولا يتفكر في أسرار فاتحة الكتاب ولا في معانيها ؛ ولم يعلم أنه لم يكلف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلا بما جرت به عادتهم في الكلام ؛ وهذا غرور عظيم. ومثلهم من حمل الرسالة إلى مجلس السلطان وأمر أن يؤديها على وجهها ، فأخذ يؤدي الرسالة ويتأنق في مخارج الحروف ويعيدها مرة بعد أخرى ، وهو مع ذلك غافل عن مقصود الرسالة ومراعاة حرمة المجلس ؛ فهذا لا شك أنه تقام عليه السياسة ، ويرد إلى دار المجانين ، ويحكم عليه بفقد العقل.
(وفرقة أخرى) اغتروا بتلاوة القرآن ، فيهدروا به هدرا ، ربما يختمون في اليوم والليلة ختمة ، وألسنتهم تجري به وقلوبهم تتردد في أودية الأماني والتفكر في الدنيا ، ولا تتفكر في معاني القرآن لينزجر بزواجره ، ويتعظ بمواعظه ، ويقف عند أوامره ونواهيه ، ويعتبر بمواضع الاعتبار منه ، ويتلذذ به من حيث المعنى لا من حيث النظم. فمن قرأ كتاب الله في اليوم والليلة مائة مرة ثم ترك أوامره ونواهيه ، يستحق العقوبة. وربما كان له صوت طيب ، فهو يقرأ ويتلذذ به ويغتر باستلذاذه ، ويظن أن ذلك لذة مناجاة الله سبحانه وسماع كلامه ، وهيهات ما أبعده! إذ لذته في صوته ، فلو أدرك لذة كلام الله ما نظر إلى صوته وطيبه ، ولا تعلق خاطره به ؛ ولذة كلام الله إنما هي من حيث المعنى ؛ فهو في غرور عظيم.
(وفرقة أخرى) اغتروا بالصوم ، وربما صاموا الدهر وصاموا الأيام الشريفة ، وهم في ذلك لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة ، ولا خواطرهم عن الرياء ، ولا بطونهم عن الحرام عند الإفطار ولا من الهذيان بأنواع الفضول. فهؤلاء تركوا الواجب ، واتبعوا المندوب ، وظنوا أنهم يسلمون ، وهيهات! إنما يسلم من أتى الله بقلب سليم ؛ فهم مغرورون أشد الغرور.
(وفرقة أخرى) اغتروا بالحج من غير خروج عن المظالم وقضاء الديون واسترضاء الوالدين وطلب الزاد الحلال ، وربما ضيعوا الصلاة المكتوبة في الطريق ، وربما عجزوا عن طهارة الثوب والبدن ، ويتعرضون لمكس الظلمة حتى يؤخذ منه ، ولا يحترزون في الطريق من الرفث والخصام. وربما جمع بعضهم الحرام فأنفقه على الرفقاء في الطريق وهو يطلب به الرياء والسمعة ، فيعصي الله في كسب الحرام أولا ، وفي إنفاقه للرياء ثانيا. ثم يبلغ إلى الكعبة ويحضرها بقلب ملوث برذائل الأخلاق وذميم الصفات ، وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربه ، وهو مغرور.
