(وفرقة أخرى) أحكموا العلوم ، وطهروا الجوارح ، وبينوها بالطاعات ، واجتنبوا ظاهر المعاصي ، وتفقدوا أخلاق النفس وصفات القلب من الرياء والحسد والكبر والحقد وطلب العلو ، وجاهدوا أنفسهم في التبري منها ، وقلعوا من القلب منابتها الجلية القوية ؛ ولكنهم مغرورون ، إذ في زوايا القلب بقايا من خفايا مكايد الشيطان ، وخبايا خدع النفس ما دقّ وغمض ، فلم يتفطنوا لها وأهملوها. ومثلهم كمثل من يريد تنقية الزرع من الحشيش ، فدار عليه وفتش عن كل حشيش فقلعه ، إلا أنه لم يفتش عما لم يخرج رأسه بعد من تحت الأرض ويظن أن الكل قد ظهر وبرز ، فلما غفل عنها ظهرت وأفسدت عليه الزرع ؛ فهؤلاء إن غيروا تغيروا ، وربما تركوا مخالطة الخلق استكبارا عنهم ، وربما نظروا إلى الخلق بعين الحقارة ، وربما يجتهد بعضهم في تحسين منظره كيلا ينظر إليه بعين الركاكة.
(وفرقة أخرى) تركوا المهم من العلوم ، واقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات ، وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعايش ، وخصصوا اسم الفقيه ، وسموه الفقه وعلم المذهب ، وربما ضيعوا مع ذلك علم الأعمال الظاهرة والباطنة ، ولم يفتقدوا الجوارح ، ولم يحرسوا اللسان عن الغيبة ، والبطن عن الحرام ، والرجل عن السعي إلى السلاطين ، وكذا سائر الجوارح ، ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبر والرياء والحسد وسائر المهلكات.
وهؤلاء مغرورون من وجهين :
أحدهما : من حيث العلم ؛ وقد ذكرنا وجه علاجه في كتاب الإحياء ، وأن مثلهم كمثل المريض الذي تعلم الداء من الحكماء ولم يعلمه أو يعلمه ، فهؤلاء مشرفون على الهلاك من حيث إنهم تركوا تزكية أنفسهم وتخليها ، واشتغلوا بكتاب الحيض والديات واللعان والظهار ، وضيعوا أعمارهم فيها. وإنما غرهم تعظيم الخلق لهم وإكرامهم ، ورجوع أحدهم قاضيا ومفتيا ؛ ويطعن كل واحد منهم في صاحبه ، فإذا اجتمعوا زال الطعن.
والثاني : من حيث العلم ؛ وذلك لظنهم أنه لا علم إلا بذلك وأنه الموصل المنجي ، وإنما الموصل المنجي حب الله تعالى ؛ ولا يتصور حب الله تعالى إلا بمعرفته ؛ ومعرفته ثلاث : معرفة الذات ، ومعرفة الصفات ، ومعرفة الأفعال. وهؤلاء مثل من اقتصر على بيع الزاد في طريق الحاج ولم يعلموا أن الفقه هو الفقه عن الله ، ومعرفة صفاته المخوفة والمزجرة ، ليستشعر القلب الخوف ، ويلازم التقوى ، كما قال تعالى: (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة : ١٢٢].
ومن هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيات ، ولا يهمه إلا تعلم طريق المجادلة والإلزام وإفحام الخصم ودفع الحق لأجل الغلبة والمباهاة ، فهو طول الليل والنهار في التفتيش في مناقضات أرباب المذاهب ، والتفقد لعيوب الأقران ، وهؤلاء لم يقصدوا العلم وإنما قصدوا
