هل يريد الله أن يوجّهنا إلى ارتباط وجود الكون في السماوات والأرض بوجوده ، باعتبار أنه الظاهر بنفسه في وجوده ، المظهر لغيره ، في ما يوجد غيره به؟ ولكنّ ذلك لا يمثل الحقيقة التي يحتاج جوّ الآية إلى تأكيدها ، كما يلوح لنا من خلال تأمّل السياق العام للمعنى.
أو أنه يريد أن يحدثنا أنه سبب ظهور الكون ، الذي قد يكون قريبا إلى المعنى الأول ، أو أنه هو نفسه ، أو عن الحق الذي يشبه النور في الظهور ، أو عن عظمة الله وقدرته؟ إن ذلك كله لا يتفق مع الجوّ العام للآية ..
والذي يلوح لنا ، أن الآية تتحرك في أجواء الهداية التكوينية التي تخضع لها السماوات والأرض ، لأن الحديث ينتهي في ختامها بالهداية ، وذلك في قوله تعالى : (يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ) من خلال مواقع الهداية في الحياة ، وقد جاء في آية أخرى قوله تعالى : (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ) [الصّف : ٨] بما قد توحي به من معنى الهداية في ما تختزنه من مبادئ وشرائع تقود الناس إلى الله.
وفي ضوء ذلك ، يمكن أن يكون المعنى ـ على سبيل الكناية ـ أن الله هو الحقيقة الوحيدة التي تمد الكون بالهداية ، وتسهّل له حركته في الاتجاه السليم ، وتنظّم له أموره ، وتحفظ توازنه .. وبهذا يكون الله هو محرك الكون إلى مواقع هدايته ، تماما كما هو النور الذي يضيء للأشياء مواقع السلامة في الحياة ، فهو نور السماوات والأرض الذي تهتدي به في وجودها المتحرك نحو غاياتها ..
* * *
تشبيه نور الله بمشكاة
(مَثَلُ نُورِهِ) في الصورة التي يريد العقل أن يتمثلها في وعيه المادي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
