حجمها الواقعي ، فهي مجرد كلمات تخرج من اللسان وتدخل الأسماع ، وتملأ الوقت ، ثم تتطاير في الهواء ، وليست عملا ذا نتائج على مستوى الواقع يخلق مشكلة ويثير مأزقا .. (وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ) لأنه افتراء على الناس الأبرياء ، وتزوير للحقيقة ، واعتداء على أجواء الرسالة ، بما يتضمن من إساءة إلى الأجواء الداخلية لحياة الرسول ، مما يؤدي إلى الخلل في التوازن على أكثر من صعيد .. ثمّ من قال إن الكلمة ليست عملا؟ فهي قد تكون أخطر من العمل ، فقد تحرق الكلمة المجتمع كله عند ما تنطلق انفعالاته في أجواء الكلمة لتشتعل وتتحول إلى نار تحرق الحياة من حولها على أكثر من صعيد. وقد قال الإمام علي عليهالسلام في بعض كلماته القصار : «من لم يحسب كلامه من عمله كثرت خطاياه» (١).
وقال : «ومن علم أن كلامه من عمله قلّ كلامه إلا في ما يعنيه» (٢). (وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا) ، لأننا لا نملك أيّ أساس له ، فلا يكفي للإنسان أن يخوض في شؤون الناس ، وأن يحرك الإشاعات التي تتحدث عنهم بالسوء ، بل لا بد له من إثبات ذلك بالبيّنة الشرعية ، فإذا لم نستطع منع الناس من التكلم عن الآخرين بطريقة سيئة ، فلا بد لنا ـ على الأقل ـ عدم مشاركتهم في ما يخوضون فيه ، ليرجع إلى الله قائلا : (سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ) في إعلان إيمانيّ بتعظيم الله وتنزيهه. وتنزيه الله هنا لون من ألوان الأدب القرآني الذي يعمل على تنزيه الله عند إرادة تنزيه أحد ، ثم التأكيد على صفة البهتان العظيم في هذا الحديث القاذف ، الذي يسيء للأبرياء وللنبيّ بشكل غير مباشر ، لأن القائلين لم يقدموا شيئا لإثبات ذلك.
(يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) في اعتبار ذلك حالة طارئة مرت ، دون
__________________
(١) الكافي ، ج : ٢ ، ص : ١١٥ ، رواية : ١٥.
(٢) نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه ، دار التعارف للمطبوعات ، ط : ١ ، ١٤١٠ ه ـ ١٩٩٠ م ، قصار الحكم / ٣٤٩ ، ص : ٤٠٤.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
