والنواهي فقد التشريع فاعليته القويّة في تنظيم حياة مستقرّة للإنسان ، لأن الأهواء لا تحكمها قاعدة أو قانون ، مما يجعل الكون كله عرضة للاهتزاز وللفساد وللخلل ، وبذلك تفسد السماوات والأرض لو أريد لها أن تتحرك أو تتغير أو تثبت أو تزول تبعا للأهواء المتنوعة والشهوات المتباينة والأمزجة المتقلّبة ، ويفسد من فيهن من إنسان وحيوان وغيرهما لو كانت الأنظمة الموضوعة لها بعيدة عن منطق العقل ، وقريبة إلى منطق الهوى والشهوة والانفعال.
إن المسألة ـ في مجملها ـ هي الفرق بين القاعدة واللاقاعدة ، فلا يمكن أن يصلح شيء لا قاعدة له في ساحة الوجود أو التشريع ، وبذلك لا يمكن أن تكون الأهواء أساسا لذلك كله .. ولذلك اقتضت الحكمة الإلهية ، أن يتجاوز الناس أهواءهم ونوازعهم ، لينظم الوحي حركتهم في الواقع كله ، ويصدم كل مرتكزاتهم الخاطئة ، ويغير كل عاداتهم المتخلفة ، وينسخ كل شرائعهم الباطلة.
* * *
إعراض المشركين عن ذكر الله
(بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ) وهو القرآن الذي يذكّرهم بالحقائق التي تفتح عقولهم على ما غفلوا عنه من عناصر الهدى ، وتذكرهم ما نسوه من قواعد النجاة والنجاح .. وقد نسب الذكر إليهم ، باعتبار أن هدف حركته في الواقع هو تذكيرهم ، ليكونوا القاعدة الإيمانية للمستقبل ، باعتبارهم أوّل من تحركت الدعوة إليهم بالإسلام في وقت غفلوا فيه عن الحقّ ونسوا قواعد النجاة. (فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) لأنهم يرفضون الانفتاح على كل آيات الله ،
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
