وقد نلاحظ ـ في هذا المجال ـ أن الميل إلى معارضة دعاة الحق ليس حالة تاريخيّة تعيش في الماضي ، لنتحدث عنها كمصدر للعبرة ، بل هي حالة إنسانية عامّة ممتدّة إلى الحاضر ، حيث نجد أن الدعاة إلى الله ، والعاملين في سلبيه ، يعارضون ويضطهدون ، ويواجهون بالافتراءات والتهم المتنوعة ، لإعطاء تلك المعارضة تبريرا منطقيا غير موجود في الواقع ، لأن رفض أولئك للحق الذي يدعو إليه الأنبياء والدعاة متأتّ عن التزامهم بالباطل ، لذا فإنهم يرفضون دعاته ، سواء أعلنوا موقفهم ذاك بصراحة ، أو حاولوا إخفاءه وراء ما يصنعونه من أقنعة لتغطية الموقف.
* * *
الخضوع للأهواء يعرّض الكون للاهتزاز
(وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ) لأن الخضوع للأهواء يستتبع عدم وجود ضوابط لأيّ شيء على صعيد التكوين والتشريع ، لأنه لن يكون منطلقا من دراسة العناصر الضرورية التي تضمن للوجود أو للإنسان صلاحه وثباته واستمراره ، لجهة ما تحتويه من أسرار وخصائص وتوازنات في علاقة الأشياء ببعضها البعض ودورها في حركة الإنسان وحياته ، هذه الخصائص التي تجعل لكل شيء هدفا ، ودورا ، وموقعا مميّزا ، وتخلق نوعا من التكامل بين عناصر الوجود وطبيعة الأشياء ، ولونا من ألوان التوازن في أوضاع الناس في حياتهم العامة والخاصة ، وفي علاقة الإنسان بالكون والحياة ..
وإذا فقد الكون ضوابطه وقوانينه وركائزه فقد أيّ مصدر للثبات والامتداد ، وإذا انعدمت في التشريع المصالح والمفاسد التي تحكم الأوامر
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
