القول مبررا في الواقع؟ طبعا لا ، فليس للقول بجنونه أي مبرر ، لأنه يمثل كل القوّة والثبات والتوازن في كل عناصر شخصيته ، ولكن للمسألة سببا آخر ، هو عقدتهم من مسألة الحق ، والعقلية العنيدة الجامدة التي يملكونها والتي لا تواجه الرأي الآخر في مرتكزاته الفكرية ، أو لا تواجه الطروحات الجديدة الداعية إلى التغيير بروحية البحث عن الحقائق الجديدة التي يفرضها تغير الواقع وتغير معطياته ، لأنهم ليسوا مستعدين لتغيير عاداتهم وتقاليدهم وموروثاتهم العقيدية ، تحت تأثير أيّ وضع ، حتى لو كان الحق واضحا فيه .. إنه التعصّب للباطل المتحجّر في حياتهم ، الذي يجعلهم يكرهون الحقّ من موقع هذا التعقيد الشعوري ، لا من موقع عدم القناعة به.
* * *
ما جاء به الرسول هو الحقّ
(بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ) الواضح المرتكز على الحجّة والبرهان (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) لأنهم يريدون تأسيس حياتهم على الأهواء والشهوات والأطماع التي تلتقي بالباطل من أقرب طريق ، وليسوا مستعدين لترك ذلك كله ، والالتزام بالخط المستقيم الذي قد يتعب أوضاعهم التي اعتادوها ، ويمنع عنهم ما حصلوا عليه من امتيازات ..
وقد نستوحي من الحديث عن كراهة الأكثرية منهم للحق ، أن القرآن يريد نزع فكرة قداسة الأكثرية من الأذهان ، باعتبارها أساسا للإيمان بالحقائق ، لأن الإيمان يمثل الحركة المضادة لتيار الشهوات الذي يوافق النفوس ، ولذلك فإن من يتحملون ضربات التيار الذي يواجه خط الإيمان ، قليلون ، بينما يرتاح للسير مع اندفاع التيار أغلبية الناس .. ولكن ليس معنى ذلك أن الأكثرية تقف دائما ضد الحق ، بل إن الحق ليس دائما معها.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
