أساس تبعية الآخرين لهم في الموقف ، أو تأكيدا على سيطرة الله وقدرته ، باعتبار أن الله إذا أخذ المترفين الذين يملكون أسباب القوّة ، فإنه قادر على أخذ الأقلّ منهم قوّة ، بطريق أولى ، حيث يجتمعون في ما يشبه المفاجأة لهم ، بفعل الصدمة الناشئة من الغفلة ، (إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ) ويرفعون أصواتهم بالصراخ ، فلم ينتظروا الآخرة لأنهم لم يهتموا بها وبمواجهتها ، ولم يفكروا بالعذاب لأنهم سخروا ممن أنذرهم به ، مما جعل مواجهته كحقيقة ، كارثة تخرج الإنسان عن طوره في التعبير عن الانفعال .. ولكن النداء القادم من الله يوضح بأن الصراخ لا يفيد في تخفيف العذاب أو رفعه عنهم ، لأن أحدا لن يسمعهم ، أو يقدر على إعانتهم ونصرتهم من الله ، فإن الصراخ المنطلق طلبا للنصرة ، أمر يشبه العبث.
(لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ) لأن الله إذا أراد شيئا ، فلا يملك أحد أن يقف أمامه ، لأن القوّة لله جميعا في كل شيء ، وفي كل زمان.
(قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ) لتفكروا ولتحاوروا ولتفتحوا عقولكم على الحق دون أي ضغط أو إكراه ، فالأنبياء كانوا يفتحون المجال أمامكم لتصلوا إلى الحقيقة من أقرب طريق ، لأنها ليست من الأمور التجريديّة التي يمكن للإنسان مواجهتها بطريقة اللامبالاة ، كونها مرتبطة بمصير الإنسان في الدنيا والآخرة ، لكنكم لم تستجيبوا لذلك كله ، (فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ) ، فلا تقبلون عليها إقبال الوعي والجدّية ، بل تتراجعون وتدبرون عنها ، كما لو كانت شيئا تهربون منه.
(مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي مكذّبين بالقرآن تكذيبا ينطلق من الكبرياء المرضيّة التي تمنعكم من مواجهة الحقيقة التي تفرض نفسها عليكم بالإيمان ، ولم تكتفوا بالتكذيب السلبي والامتناع عن الإيمان ، بل اتخذتم موقفا عدائيا ، (سامِراً تَهْجُرُونَ) وجعلتم في أجواء الليل الطويلة من الإيمان موضوعا للسمر
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
