نبيا مرسلا؟ وهل يمكن للبشر أن يصلوا إلى هذه الدرجة؟! إننا لا نؤمن بذلك ، فهو ككثير من الطامحين الذين يودون الوصول إلى مواقع اجتماعية متقدّمة في مجتمعهم من خلال الإيحاء للآخرين بأن لهم صفات خاصة أودعها الله بهم ليسيطروا على الناس من خلالها ، فهو (يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) ليكون له الميزة والفضل عليكم ، فيرأس الناس من موقع النبوّة ، (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) فالملائكة أقرب إلى الله ، وبذلك يكونون أقرب إلى هذا المركز الخطير ، فهل يمكن أن يستبدلهم بمثل هذا الإنسان الذي لا يتميز عن الناس بأية صفة من الصفات ، (ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) ، وهم بالنسبة لنا المصدر الأوثق للمعلومات الدينية ، التي نلتزمها كعقيدة وسلوك ، فلم يرد منهم أيّ شيء من هذا القبيل.
(إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) لأن الذي يدّعي هذا الادّعاء ، ويدعو إلى التوحيد ورفض عبادة الأصنام ، لا بد من أن يكون به مسّ من جنون ، لأنه يتحدى الناس كلهم في عقيدتهم وسلوكهم ، ويزعم لنفسه الاتصال بالله بشكل مباشر أو غير مباشر ، (فَتَرَبَّصُوا بِهِ) أي أمهلوه واصبروا عليه حتى ينكشف أمره ، (حَتَّى حِينٍ) كي يرجع عن ذلك الجنون وإلا قتلتموه.
إنه موقف مرتبك متخبط يدفعهم إلى البحث عن كلمة ـ أية كلمة ـ لمواجهة دعوة الرسول ، وهم بنتيجته يرفضون الرسالة لبشر ، ويرضون الألوهية للحجر ، وينكرون المبدأ في هوّية صاحب الرسالة ، ثم يحكمون عليه بالجنون دون أيّ دليل على ذلك ، فهم لم يروا في شخصيته أيّ خلل في رأي أو سلوك ، ولكنه المأزق الذي يعيشه أصحاب الكفر والضلال ، فيبحثون عما يؤكدون به ضلالهم حتى بالباطل .. وتلك هي قصة الناس في كل زمان ومكان ، في تنكّرهم للحق ، وإصرارهم على العناد ، دون إعمال الفكر والوجدان.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
