طلب نوح النصرة من الله
(قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) فقد كان وحده ، ولكنه كان يشعر أن الله معه ، وكان يستمدّ القوّة من هذا الشعور ، كلّما أرادوا أن يضعفوا موقفه ، أو يهزموا روحه. كان يوصل الليل بالنهار ، ويستنفد كل التجارب والأساليب بغية الدخول إلى عقولهم وقلوبهم وحياتهم ، ولكنهم كانوا يزدادون عنادا كلما ازداد إصرارا على دعوتهم إلى الإيمان حتى لم يبق له ما يقوله لهم ، فقد قال كل شيء ، واستنفد كل الوسائل والأساليب ، لكنه بقي وحده ، مع قليل من المؤمنين ، فدعا ربّه يسأله النصرة عليهم جرّاء تكذيبهم له ..
(فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا) : أي بنظرنا ، وهو تعبير عن الحفظ والرعاية الإلهية ، كأن معه من الله حفّاظا يكلأونه بعيونهم ، لئلا يتعرض له أحد في ما يقوم به من عمل ، (وَوَحْيِنا) في ما نوحي به إليك من طريقة الصنع ، وفي ما نعلمك من وسائل المواجهة ، (فَإِذا جاءَ أَمْرُنا) بالطوفان الذي يغرق كل شيء حوله (وَفارَ التَّنُّورُ) بالماء الذي ينبع منه ، كما لو كان في حالة غليان وفوران ، (فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍ) مما حولك من الحيوان (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) من ذكر وأنثى ، (وَأَهْلَكَ) من عيالك (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ) ممن حقّت عليه كلمة العذاب بكفره وضلاله من زوجك وولدك ، (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم بالكفر والضلال ، لأن الموقف ليس موقف عاطفة تتحرك فيه شخصية الأب تجاه ولده ، أو الزوج تجاه زوجته ، بل هو موقف حقّ ورسالة تنطلق فيها العاطفة لتؤكد رفضها للكفر كله حتى من أقرب الناس إليه .. (إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) فيمن يغرق من الكافرين.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
